لأن «الأقربون أولى بالمعروف»، ارتأت «شركة الوطى العقارية»، التي يملكها النائب وليد جنبلاط وأولاده أن تأخذ «نصيبها» في وطى المصيطبة. وضعت يدها على حيّ «التنك» وحيّ «النقابة»، لتثبت أن المصالح التجارية تسمو فوق كل شيء. لم يُعرف طبيعة المشروع الذي تسعى الشركة الى تهجير الناس من أجله. لكن يتردد على ألسنة السكان هناك أن ثمة مجمعاً تجارياً ضخماً سيقام وستتغير ملامح تلك المنطقة «المُتعَبة»، حيث لن يكون مكان للفقراء فيها!

يجلس العم عبّود (82 عاماً) في دكانه الصغير في حيّ «النقابة» (نقابة المهندسين). يأبى العجوز أن يُفارق «منبته»، بالرغم من أنه يملك بيتاً في ضيعته: «هون في أبو يوسف وأبو محمد، فوق في أربع حيطان»، يبررّ لك العم سبب «معاندته» بيع بيته لشركة الوطى. سرعان ما يستطرد: «أبي هداني هالبيت. كيف بدّي بيعو؟»، هو لا يريد أن «يفرّط» بإرث أبيه فحسب، بل لا يُريد أن يفرّط بذكرياته التي «وشمها» في الحيّ، «أنا إذا ما شفت إم يوسف كل يوم كيف بدي عيش؟»، يردّ مستهزئاً بكل محاولة تُقنعه بترك الحي. من يدخل الى الحي قد لا «يقنعه» سبب إصرار العمّ عبود وغيره على البقاء.

ملامح البنايات «مبهمة» وزواريبها «منهَكة» ودكاكينها الصغيرة عاجزة عن مواكبة زخم البضائع المتكاثرة. ولكن ما قد يكون خافياً على كثيرين، وخصوصاً أولئك الذين يشجعون على تحسين «المنظر العام»، ما تعنيه تلك الأحياء الصغيرة لناسها. هم لا يكترثون لـ«مول» هنا أو «برج» هناك، تكفيهم بركة مياه الباطون التي «يعمّرون» عليها «نراجيلهم» مساءً. يكفيهم أن ينده الواحد منهم في سرّه كي يجيبه جاره، فلا يستبدله بأي تعويضٍ كان.
وإذا كان العم عبود يستطيع الدفاع عن ذكرياته وتاريخه في المنطقة، فإن المستأجرين «والمغلوب على أمرهم» محرومون من حق الدفاع عنها. «لو أنا مالك ما بطلع»، يقول أحد المستأجرين الذي أخلى بيته، وأصرّ على أن يكون البديل قريباً من المنطقة التي عاش فيها، ذلك أنه «اعتاد الناس هنا واعتاد الحياة ولا يستطيع التأقلم خارجها». ولكن ثمة مستأجرين قدامى لا يزالون ينتظرون المحاكم لمعرفة مصيرهم.

شركة الوطى

حتى اليوم، تملكت الشركة أكثر من 70% من عقارات حي النقابة. وعلى قاعدة «فرّق تسد» بدأت الشركة عملها، حسب ما يقول أحد المستأجرين الذي تفاوضت الشركة معه وأعطته بديلاً «مقبولاً». يُجمع المستأجرون على «استنسابية» التعويضات والمعايير الموضوعة من قبل الشركة.


تملكت شركة الوطى
العقارية أكثر من 70% من عقارات حيّ النقابة

ينفعل نعيم عندما يتحدث عن انتماء «بيته» للحزب الاشتراكي: «هيدا البيت مقدّم شهيدة». ويضيف: «يلّي عم ياكلك هوّي منك وفيك». يسترسل أبو نعيم (62 عاماً) المُقعد في الحديث عن كمال جنبلاط، وكيف كان «يُغدق» على الفقراء!
لا جديد في المفاوضات والدعاوى القضائية المرفوعة على بعض المستأجرين القدامى. المسألة «نايمة»، يعود السبب، برأيهم، الى غياب بهيج أبو حمزة، الطرف الأساس في المفاوضات السابقة.
حتى الساعة، لم يبحث آل شاهين عن بديل لمسكنهم، «ما فيكي تشوفي بيت من دون ما يعطوكي مصاري»، يقول رائد شاهين، الشاب الثلاثيني، ويضيف «هيدا مشروع أكبر من الأشخاص. شو منوقف بوجهن؟»، معلناً استسلامه للأمر الواقع.
الشركة قامت برفع دعاوى بحجة «إخلاء من أجل الهدم»، إلا أن ثمة العديد من العقارات التي تملكها الشركة لم تهدم بعد، بل تم تأجيرها لعمال سوريين للاستفادة من إيجاراتها حتى موعد البدء بالمشروع، علماً بأنه في حال عدم هدم الشركة للعقارات بعد خمس سنوات، يحق للمستأجرين رفع دعوى وأخذ تعويض (نصف التعويض الذي حصل عليه المستأجر عند إخلاء العقار).
يشرح المعماري رهيف فياض سبب تهافت المضاربين العقاريين على شراء العقارات الصغيرة، فارتفاعُ أسعارِ الأراضي ينتج مناخاً مثالياً للمُضارباتِ العقاريَّة. إذ «يفتش المضاربون عن ملاكي العقاراتِ الصغيرة الفارغة، أو تلك التي بني فيها مبنى تاريخي أو تراثي، ويشترون هذه العقارات». يتهافت حينها الملاك الصغار على بيع عقاراتهم للانتفاع من ارتفاع الأسعار. يضم المضارب الشاري العقارات الصغيرة في عقار واحد، ويهدم كل ما فيه، ثم يبيعه لتاجر محترف، أو يشارك مع آخر لبنائه، مستفيداً من كل الزيادة في المساحات المبنية، الأمر الذي يصفه فيّاض بـ«حراك جهنمي جارف، لا أحد يملك القدرة على مقاومته في ظل قانون البناء الحالي».

حيّ «التنك»

في حي «التنك»، كل شيء «يوحي» باسم المكان، بيوت «معدنية» مصطفة في الجهة الشرقية لملعب الصفا، «أكواخ» متراصّة، مسيّجة بمحال تجارية صغيرة مسقوفة بألواح «تنك». قانونياً، يعدّ أصحاب هذه المحال والبيوت «محتلّين»، إذ إنهم شيّدوا بيوتهم ومحالهم على أرض «الغير». لكنّ الأهالي الذين «التحموا» بتلك المنطقة منذ عشرات السنين يتخذون من مرور الزمن ذريعة «تشرعن» وجودهم، هنا مصدر رزقهم وأماكن عيشهم التي لا بديل لهم منها.
حيّ «التنك»، أو «الحرش» كما يُعرف، هو عبارة عن عقار واحد (2207) تبلغ مساحته 13481 متراً مربّعاً، ويقطنه أكثر من 400 نسمة.
ينفعل الشاب العشريني من آل حيدر أثناء دفاعه عن «تجذّر» عائلته هناك: «ما هو حكم الذي مضى على وجوده في هذه المنطقة أكثر من مئة عام؟». يُفاخر بانتمائه الى الحزب الاشتراكي: «ع إيام الزعيم كمال جنبلاط، قدّمت هذه الأرض لنا وأعطيت لنا كمأوى، فلماذا يريد ابنه تهجيرنا؟»، يقول إنهم لن يرضوا إلا بالبقاء في هذه المنطقة: «بيت مقابل بيت، محل مقابل محل هون».
يذكر الشاب أن وفداً من أصحاب المحال في حي «التنك» قصد «الزعيم» جنبلاط للتوسط لديه منذ 3 أشهر تقريباً (9/6/2014) فرفض التعاون معهم. وعندما جرّب أحدهم أن يلامس عواطف «البيك» «نحنا ولادك ومن أبناء الحزب»، رد عليه بالقول «بالناقص واحد»، قبل أن يغيّر رأيه في اليوم التالي ويرسل لهم من يفاوضهم.
يقول عبد المجيد الأشقر (48 عاماً)، صاحب محل بيع أحذية في حيّ «الحرش» إنه ، كما غيره، دفع ثمن محله ومصدر رزقه الوحيد الذي تقتات منه ثلاث عائلات. «كل شي غلط بالبلد، بدن يعملوا الصح هلق؟»، يتساءل الأشقر. ويشير الى أن جنبلاط نفسه وضع يده على المنطقة بطريقة غير شرعية عندما اشتراها قبل عشرات السنين «بتراب المصاري من آل عرمان».
لا أحد يدرك كيفية تملك الشركة للعقار بشكل دقيق، حاولت «الأخبار» التواصل مع محامي الشركة وليد صفير، إلا أن الأخير تعمّد عدم الردّ على اتصالاتها.
«من فترة اشتريت كلاشن»، يقول أحد أصحاب المحال (يوجد 19 محلاً)، فيردّ آخر «وأنا كمان». اللافت أن قسماً كبيراً من هؤلاء يجاهرون ويفاخرون بانتمائهم الى الحزب الاشتراكي، لكنهم يرفضون أن «يُستهدفوا» بعيشهم وسكنهم. «الله اللي حطّ هالرقبة، وهوي بيشيلها. لا وليد جنبلاط ولا غيرو»، يقول رجل خمسيني كلمته ويدير ظهره.

النفوذ في مواجهة الفقراء

على الرغم من أن معظم القاطنين في حي «التنك» من العمال الأجانب (سوريون وبنغلادشيون وسريلانكيون ومصريون وغيرهم) الذين استأجروا بيوتهم «المنهكة» من «المحتلّين» اللبنانيين، فضلاً عن بعض العائلات الدرزية التي أتت من السويداء السورية. إلا أن ثمة بيوتاً عدة للبنانيين يعيشون هناك، مثل آل مطر وآل حيدر وآل فليحان وآل عسيلي. وهؤلاء مضى على وجودهم هناك أكثر من أربعين عاماً، «أنا خلقت هون» يقول محمد مطر، يحدثك الشاب الثلاثيني عن عائلته التي سكنت الحرش منذ 50 عاماً ليثبت لك أن بيته المؤلف من غرفة واحدة هو «إرث» والديه الوحيد. «لو عنا بديل ما كنا ضلّينا، متل ما شايفة هيدي عيشتنا وبدن يحرمونا منها!».
من يدخل الى «مأوى» محمد سيفهم حتماً. يكفي أن تتمشى بين زواريب «الحرش»، قبل أن تصل إليه لتلمح معالم المكان المبعثرة و«المأسوية» وتستدرك ما ينتظرك: بيته الذي لا يتعدّى بضعة أمتار، تحار في رسم ملامح واضحة له، حتى أرضيته متعرّجة: «مادّين الصرف الصحي تحت البيت، وكل فترة منحفر»، تقول علا زوجة محمد. وتضيف إنها لو تملك بديلاً لما استقرت يوماً واحداً هناك. «يا باخد بيتي يا خدي عمري» يمازحك محمد الذي يعمل سائق تاكسي. يقول: «إذا ضهّروني لبرّا ما أنا بموت وين بدي روح»، ويستطرد «هيك هيك ميتين يجرفونا ونحنا بقلبو».
منذ سنة تقريباً، استيقظ أهالي الحرش ووجدوا أرقاماً على جدران بيوتهم الخارجية من دون أن يفاوضهم أحد. «فاوضوا بس المحلات»، تقول علا، وتضيف «بعمّر خيمة فوق الردم وبقعد فيها؟». لا تعرف علا وزوجها طبيعة المشروع الذي يهدد منذ زمن بـ«تشريدهم»، لكنهم يرجحون أنه مجمع تجاري، وبالتالي «ما رح يناسبن يطلّ على منظر تنك!».
ثمة صيت يطال الحي هنا (مخدرات ودعارة)، تكفي محاولات تحذيرك من الدخول الى «عمق» «الحرش» وحيداً لتدرك حجم الصيت «الذائع». يقول محمد: «في كتير مناطق فيها زعرنات بيجرفوها كلها؟». في حين يلفت أحد أفراد آل حيدر إلى أن «المبالغة في نشر الصيت وتضخيمه هما جزء من عملية جعل الناس ينفرون من المنطقة، وبالتالي التشجيع على جرفها والقضاء عليها».