بعدما أعلنت الولايات المتحدة نيتها إقامة تحالف من عشر دول لضرب «الدولة الإسلامية» (داعش) والتصدي لها، توجهت الأنظار مباشرةً نحو تركيا، بوابة «داعش» الرئيسية.

كان واضحاً ارتباك تركيا التي ادعت أن وقوفها العلني مع قتال «داعش» يمكن أن يؤدي إلى قتل الرهائن الـ 49، الذين تحتجزهم في الموصل منذ حزيران الماضي.

وردّت صمتها طوال الفترة الماضية إلى نيتها الحفاظ على أرواح الرهائن، وإجراء وساطة للإفراج عنهم، لكن هل ترغب أنقرة اليوم في ضرب «داعش» بعد كل الدعم اللوجستي الذي قدمته إليها، وتعاملت معها كما تعاملت مع «جبهة النصرة» و«الجيش الحر»، فاتحةً لها الحدود لمعالجة الجرحى. هل ستعلن الحرب عليها، أو تساعد على ضربها؟
لا تنظر أنقرة بعين الرضى إلى وجودها في التحالف، في ظلّ حرصها على عدم المسّ بميزان القوى المستجد في العراق. كذلك، هي رأت أن ما حصل في الأنبار وصلاح الدين والموصل «انتفاضة» للمناطق السنية ضد استبداد وسيطرة الحكومة العراقية. حينها، جاءت ملاحظات وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو واضحةً، لجهة بحث أنقرة عن توازن بين السنّة والشيعة في العراق، فيما أشار إلى أن بنية «داعش» ليست إرهابية، وأنها تقاتل إلى جانب عرب وأتراك وأكراد، وأن عناصرها ليسوا «إرهابيين».


طلبت أنقرة
أن يكون دعمها للتحالف استخبارياً ومن خلف الكواليس


موقف تركيا واضح. هي ترى أن هؤلاء المقاتلين يساهمون في قلب موازين القوى ويقاتلون ضد النظام السوري. فالحكومة التركية كانت ولا تزال مستعدة لتقديم الدعم المطلق لأي قوة يمكنها أن تزعزع نظام الرئيس بشار الأسد، وأن تضرب حزب «الاتحاد الديموقراطي» الكردي السوري، الذي يعد فرعاً من فروع حزب «العمال الكردستاني»، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هناك ما تخشاه في حال التصدي لـ «داعش»، وهو إعادة ميزان القوى في العراق إلى ما كان عليه قبل حزيران.
هي تريد إذاً تجنّب الدخول في هذا التحالف، طالبةً أن يكون دعمها غير معلن ومحدودا، وربما استخباريا من خلف الكواليس، لكونها ترى أن المشاركة في خيار التصدّي لـ «داعش» سيضع حدّاً لسياستها في الشرق الأوسط، وسيمكّن الجيش العراقي، الذي قالت سابقاً إنه «جيش شيعي»، من الحصول على أسلحة متطورة، كذلك أعربت عن خشيتها من وقوع هذه الأسلحة في حزب «العمال الكردستاني»، الذي يقاتل «داعش» في الشمال بإدارة البشمركة.
مساهمة تركيا في التحالف تعني موافقتها على مساندة الدول التي تقاتل «داعش»، ومنها سوريا والعراق، ولا سيما أن هذه الدول قد ساهمت واقعياً وساعدت عملياً بمدّ الطائرات من دون طيار بمعلومات لضرب أهداف استراتيجية كسدّ الموصل ومدينة آمرلي، وهي تتمثّل في قوى عراقية وكردية غير صديقة لتركيا، أي إن تركيا ستجد نفسها في خندق واحد مع «العمال الكردستاني» ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا. ما سيعطي الأخيرة شرعية واعترافا دوليا بمقاتلة «الإرهاب»، ويساهم في رفع هذه التهمة عنها، في وقت تعلم فيه تركيا أن ضرب «داعش» من دون هذه القوى أمر غير ممكن.
في هذا الوقت، تضغط الولايات المتحدة على تركيا، وهي ترى وجوب إعادة العلاقات العراقية والإيرانية مع تركيا إلى ما كانت عليه من قبل.
لم يعد هنالك خيار لتركيا سوى اتخاذ الموقف الغربي نفسه. هذا يعني أنه عليها في الوقت الحالي أن تعيد النظر في سياستها تجاه سوريا. وبعد تراجع واشنطن، على حلفائها مراجعة مواقفهم، وخصوصاً تركيا، التي كانت سياستها مكلفة جداً عليها وعلى سوريا. كذلك فإن هذه السياسة التي فشلت، ضربت صدقية تركيا في علاقاتها مع جيرانها، فهل يمكنها إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، وبأي شروط؟
لا تستطيع تركيا الوقوف في وجه القرار الأميركي. ولقد جاء لقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان بعد قطيعة، ليكون بمثابة مصالحة واعتراف بالنسبة إلى الأخير، ولا سيما أن الولايات المتحدة لم تمثل على مستوى عال في حفل تنصيبه رئيساً. فتركيا لا تريد ولا تستطيع أن تبدأ عهدها بخلاف مع الولايات المتحدة في ظلّ وجود أحمد داوود أوغلو على رأس الحكومة.