تدحرجت السياسة الخارجية الفرنسية إلى قلب مخاض الحرب الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، مستغنية على نحو أخير عن الاستقلال التاريخي لدبلوماسيتها عن السياسات "الأطلسية"، وذلك بعد نحو 11 عاماً على رفض باريس المشاركة في غزو العراق إلى جانب حلف أنشأته واشنطن في حينه، وبعد نحو ثلاثة أعوام على المشاركة في الحرب ضد النظام في ليبيا.


وحضر الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، الذي يفقد شعبيته الداخلية على نحو لم يسبقه إليه أي سلف، إلى العراق في زيارة تستبق المؤتمر الدولي حول «السلام والاستقرار» في العراق، المزمع عقده في باريس بعد غد الاثنين، وسيبحث في تنسيق «التحرك» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وفيما كان السقوط الفرنسي الإرادي في الحرب الطويلة الأمد الجديدة محط شكوك داخلية، ثبّت الرئيس الفرنسي أيضاً في زيارته العراقية أمس، دور اربيل المحوري في الفترة المقبلة، ليتأكد يوماً بعد يوم أن إقليم كردستان بات محجة القوى الغربية المنضوية في الحرب المزعومة ضد التنظيم المتطرف.


تملص هولاند من
إيضاح ما إذا كانت فرنسا ستوجه ضربات جوية

ويأتي وصول هولاند إلى اربيل بعد ساعات على إعلان وزارة الدفاع الأميركية أنها ستستخدم مطار اربيل في كردستان العراق لشن ضربات «أكثر هجومية» على مواقع لتنظيم «الدولة الإسلامية». وتسلم فرنسا منذ الشهر الماضي أسلحة للقوات الكردية التي تحارب في شمال العراق، فيما أعلنت استعدادها لاستخدام مقاتلاتها في العراق «اذ اقتضت الضرورة» ضمن اطار الاستراتيجية التي حددها الرئيس الاميركي باراك اوباما يوم الأربعاء الماضي من أجل «القضاء» على هذه المجموعة.
ورأى هولاند من اربيل ان شحنات الاسلحة التي سلمتها فرنسا لقوات البشمركة كانت «حاسمة» لقلب موازين القوى. وقال «لقد قررت ايصال الامكانات الضرورية، وأرى انكم استخدمتمونها على النحو الافضل. هذه الشحنات كانت حاسمة لقلب موازين القوى».
كذلك تفقد الرئيس الفرنسي لاجئين في إحدى الكنائس في ضاحية عين كاوة قرب اربيل، كبرى مدن اقليم كردستان، وكُتب على لافتة رفعت في حديقة الكنيسة «نطلب اللجوء في فرنسا انقذونا».
وقال هولاند، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني، «سنواصل مع اوروبا مساعدتنا للاجئين. سنقيم جسرا انسانيا فعليا وسنتعامل ايضا مع الحالات الاكثر ايلاما لعائلات تربطها علاقات بفرنسا وتريد المجيء لوقت معين للجوء لدى اقربائها».
من جهته، قال وزير الخارجية لوران فابيوس، الذي يرافق هولاند، لـ«فرانس برس» انه سبق ان استضافت فرنسا نحو «مئة من اللاجئين المسيحيين». واضاف «سيكون هناك مئة غيرهم في الايام المقبلة»، مشيراً إلى عدم رغبة فرنسا في اخلاء العراق مما يسمى زوراً الأقليات لأن ذلك «يمثل انتصارا للارهاب». وقد أقلت طائرة الرئيس الفرنسي 15 طناً من المساعدات الإنسانية تسلمتها منظمات غير حكومية تعمل في اربيل.
وقبل زيارة اربيل، كان الرئيس الفرنسي قد تعهد في بغداد زيادة المساعدات العسكرية الفرنسية للعراق، وسط تكثيف الجهود الدولية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». وهولاند، الذي التقى الرئيس العراقي فؤاد معصوم، ورئيس الوزراء حيدر العبادي، هو أول رئيس دولة أجنبية يزور بغداد منذ الهجوم الكاسح لجماعات متطرفة في التاسع من حزيران الماضي وسيطرتها على مساحات شاسعة في العراق.
وقال هولاند، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع العبادي، «جئت إلى هنا إلى بغداد لأعلن استعداد فرنسا لزيادة المساعدة العسكرية للعراق»، وذلك بعدما عبّر عن «دعم» فرنسا للحكومة العراقية التي «استطاعت جمع كافة مكونات الشعب العراقي». وفيما أصر العبادي على «أهمية الدعم الجوي من جانب الحلفاء» لضرب المتطرفين، قال هولاند «سمعت طلب رئيس الوزراء العراقي. ونعمل مع الحلفاء على عدد من الفرضيات».
وتملص هولاند من الرد على سؤال عن احتمال توجيه ضربات جوية فرنسية، كما أنه أبقى الغموض في ما يخص الوسائل العسكرية التي بإمكان فرنسا تقديمها. وبالنسبة إلى احتمال انتشار «حاملة الطائرات شارل ديغول»، اكتفى هولاند بالقول «نتخذ القرارات في الوقت المناسب».
وقال هولاند إن «هذا التهديد الشامل يستدعي رداً شاملاً (...) الإرهاب يهددنا لأن المقاتلين يصلون من كل الدول وبإمكانهم الرجوع وارتكاب أفعال أخرى». وقال الرئيس الفرنسي إن مؤتمر باريس يوم الإثنين يأتي في «وقت حساس مع المعركة التي تخاض ضد التنظيم المتطرف الذي بامكانه ان يمتد الى ما يتجاوز العراق وسوريا». ورداً على سؤال عن حضور إيران مؤتمر باريس، أجاب هولاند انه يتمنى «اوسع مشاركة ممكنة»، قبل ان يضيف انه «لم تحدَّد لائحة المشاركين بالضبط، ويعمل وزير الخارجية الفرنسي (لوران فابيوس) ونظيره العراقي (إبراهيم الجعفري) على ان تكون المشاركة أوسع».
في سياق عراقي منفصل، كشف وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري أن نظيره السعودي سعود الفيصل أبلغه، في جدة أول من أمس، عزم بلاده على إعادة فتح سفارتها في بغداد. وذكر بيان لمكتب الجعفري، صدر أمس، أن الدول التي شاركت في اجتماع جدة «أشادت بموقف العراق، وباركت الحكومة، وعزمت على فتح سفاراتها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية».
وأضاف البيان نقلا عن الجعفري: «أخبرني وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل في لقاء خاص بيننا، ثم أعادها أمام كل الوزراء بأنهم سيفتحون سفارتهم في بغداد، وليس لديهم أي تردد في فتح السفارة، وكذلك بقية الدول العربية التي ليس لديها سفارات».
وتابع وزير الخارجية العراقي «في هذا اللقاء وجهنا رسالة صريحة ومباشرة، وقلنا لهم باننا جئناكم بقلب مفتوح، وعقل مفتوح، ونريد من هذا الاجتماع أن يفهم بأن خطر «داعش» ممتد، ليس في العراق فقط إنما يهدد المنطقة برمتها».
ميدانياً، أعلن مجلس قضاء حديثة في محافظة الأنبار العراقية "تطهير القوات الأمنية (...) بمساندة مقاتلي العشائر" منطقة الوس في شرق القضاء من عناصر «الدولة الإسلامية»، فيما أعلن قائد عسكري مقتل 20 من التنظيم خلال عملية التحرير.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول، رويترز)