«الغرب سيضطر إلى اختيار الأهم بالنسبة إليه، إما تغيير الأنظمة التي لا تروقه، أو مكافحة الإرهاب». بهذه الكلمات أنهى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تصريحه خلال مؤتمر صحافي في موسكو في 25 آب. توضح هذه العبارة الاختلاف في الخطاب بين روسيا والولايات المتحدة حول الإرهاب، وهو ما تبدّى بشكلٍ واضح مع صعود تنظيم «داعش» وتمدّده. لكن جذور التباين هذا تعود إلى الرؤية المختلفة التي تحملها كلّ من الدولتين تجاه الارهاب، وإلى تاريخ كلّ منهما معه.


إن صراع الولايات المتحدة مع الإرهاب حديث العهد نسبياً، إذ إنها كرست نفسها المحاربة الأولى للتطرف في العالم بعد أحداث 11 أيلول وادعاءات نصرها على تنظيم «القاعدة» و«طالبان» وتصفية أسامة بن لادن في أفغانستان، فبنت لنفسها شرعية على الصعيد الدولي من هذا المنطلق. ومن هنا تراكمت التعقيدات في وجه الولايات المتحدة في سوريا. فالجيش السوري يقاتل «داعش»، و«جبهة النصرة» منذ ثلاثة أعوام، بدعم من روسيا على الصعيد الدولي وتجاهل أميركي وغربي ترافق مع اتهام النظام السوري بقتل المدنيين وقمع «ثورة» مدنيّة.
في وقت كانت فيه روسيا، بحسب ما يكمل لافروف في تصريحه، «ومنذ بداية الربيع العربي، تحثّ الشركاء الغربيين على العمل بشكل مشترك على أساس مبدأ مواجهة الإرهاب، لكنهم باتوا يتصرفون انطلاقاً من اعتباراتهم السياسية الخاصة».
غير أن الولايات المتحدة تفرّدت بتشكيل تحالف دولي من 10 دول لتوجيه ضربات ضدّ «داعش» بهدف القضاء عليه، مستبعدة روسيا عنه. فقد أعلن أخيراً وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الدفاع تشاك هاغل، في بيان مشترك، أن الدول التي سيتشكل منها التحالف ستضم بريطانيا والولايات المتحدة وأوستراليا وكندا والدانمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وتركيا، مع استبعاد سوريا وإيران وروسيا.


صراع روسيا مع
الإرهاب تاريخي وأليم
وله جذروه

لكن كيف من الممكن إقصاء دولة مثل روسيا، لها معاناة طويلة مع الإرهاب، عن مثل هذا التحالف؟

روسيا والإرهاب

لروسيا تاريخ قديم وأليم مع الإرهاب، وصراعها معه له جذوره العميقة، بسبب «الطبيعة الديموغرافية للبلاد المتعددة الطوائف والإثنيات، التي يشكل المسلمون 10% من سكانها»*، بحسب الكاتب في صحيفة «ذا موسكو تايمز»، المتخصص في تغطية الصراعات في روسيا منذ 15 عاماً، إيان سوخوف.
قامت الحكومة الروسية بمحاولات عديدة لاحتواء هذا الإرهاب القادم من شمال القوقاز، وتحديداً الشيشان التي كانت تحاول الانفصال عن الدولة الروسية وتهديد وحدة أراضيها، عبر سنّ قوانين لمكافحة الإرهاب، وصولاً إلى الحرب المباشرة التي خاضتها في الشيشان عام 1999 عند تولي فلاديمير بوتين رئاسة الوزراء، رداً على غزو متطرفين لمنطقة داغستان. وأنهت هذه الحرب استقلال الشيشان عن روسيا الذي حازته بعد الحرب الأولى بين عامي 1994 و1996 في عهد بوريس يلتسين، هذا الاستقلال الذي كان أمراً واقعاً من دون اعترافٍ رسمي من الدولة الروسية.
غير أنّ ذلك كلّه لم يكتم خطر الإرهاب، فاستمرت الهجمات الانتقامية ضدّ روسيا من قبل المتطرفين، فيؤكد سوخوف لـ«الأخبار»، أن «أكثر الهجمات الإرهابية عنفاً كانت قبل رأس السنة في العام الفائت في فولغوغراد وبياتيجورسك، في فترة ظنّ فيها الجميع أنّ مشكلة شمال القوقاز قد انتهت، فلم تكن الأغلبية الساحقة في المجتمع الروسي تدرك أن مثل هذه الهجمات قد تحصل في أية دقيقة وفي أي مكان»، مؤكداً أنّ أكثر ما يرسخ في الذاكرة الروسية أيضاً هو «الهجمات التي قام بها متطرفون شيشان على مسرح موسكو عام ،2002 وتلك التي حصلت في بسلان عام 2004». ويشرح سوخوف أن هذه الأعمال الإرهابية أدّت إلى نشوء شرخ في المجتمع الروسي وخوف من المسلمين وتنامي المشاعر السلبية نحوهم.
لذا، إن «خطر شمال القوقاز لا يزال قائماً بالنسبة إلى روسيا من ناحية التطرّف والإرهاب المترسخين في تلك المنطقة، بالإضافة إلى التراجع الاقتصادي الذي تعاني منه، والنقص في التعليم وفرص العمل، ما يؤدي إلى نزوح شبابها نحو المدن الروسية حيث غالباً ما يكونون سبباً بأعمال شغب»، كما يؤكد سوخوف.
وفي ما يتعلّق بـ«داعش»، يرى الكاتب الروسي أنّ هذا «التنظيم المتطرف وغيره من التنظيمات الأخرى التي تقاتل في سوريا والعراق تشكّل خطراً واضحاً على الأمن القومي والسيادة الروسية، ويعود ذلك إلى انخراط مقاتلين من شمال القوقاز في القتال، وهم سيعودون إلى روسيا، عاجلاً أو آجلاً، عندما ينتهون من حربهم هذه التي يعتقدون أنها لأجل الإسلام».
ورأى سوخوف أنّ «القتال في سوريا والعراق هو بمثابة فرصة لهم لتعزيز قدراتهم القتالية، ما يجعلهم أقوى عند عودتهم إلى روسيا حيث سيحاولون بناء دولة إسلامية. إن حربهم هذه في سوريا هي بمثابة مخيم تدريب لتراكم خبرات قتالية لديهم، ما يجعل خطرهم أكبر. وبعد كلّ ما شهده العراق من إبادة للإيزيديين وقطع رؤوس، أصبح من الصعب جداً أن يتخلى هؤلاء المقاتلين عن تطرفهم وتقبّل من هم ليسوا من المسلمين».
لكن بالرغم من التهديد الذي يشكله «داعش» بالنسبة إلى روسيا، يؤكد سوخوف أن «روسيا لا تنوي اليوم ولا في الغد القريب إرسال جيشها إلى سوريا أو العراق لمقاتلة هذه التنظيمات، لكنها تفهم جيداً الحرب التي يقودها النظام السوري ضدّهم، هؤلاء أنفسهم الذين قاتلتهم روسيا في شمال القوقاز، ولا ترغب في رؤيتهم يعودون إلى البلاد لتهديد أمنها من جديد».
ولعلّ اختيار روسيا دعم النظام السوري في حربه ضدّ الإرهاب هو محاولة لردع انتشاره وعودته من جديد إلى تهديد الأمن الروسي، لأن هذه التنظيمات كانت ولا تزال تمثّل خطراً حقيقياً بالنسبة إليها، فالعدوّ واحد، وهو التطرّف، والمعاناة واحدة، من قتل وهجمات إرهابية. وإنّ أسوأ أشكال هذه الهجمات تجلّت في سوريا والعراق، ما يجعلها كابوساً للعالم أجمع بالأخص لروسيا، التي لا ترغب، لا قيادة ولا شعباً، برؤية هذه الحرب تمتدّ إلى أرضها، وتفعل ما تفعله من جرائم تهجير وقطع رؤوس وإبادة. ألا تعني حرب روسيا الطويلة مع الإرهاب أنّها أولى بقيادة تحالف دولي ضدّ «داعش» من الولايات المتحدة وبريطانيا، وهي التي استشرفت خطره قبل الجميع؟
لا توجد أرقام دقيقة حول نسبة المسلمين في روسيا، والتقديرات تراوح بين عشرة وعشرين بالمئة من مجمل المواطنين الروس