هو هاني فحص (1946 - 2014) الذي عرفه الجميع كرجل دين عابرٍ لهويته الدينية، وكأديبٍ وشاعرٍ «ضلّ» طريقه إلى عالم الفقه الشيعي الذي تدرّسه الحوزات في العراق، وكداعيةٍ إلى الحوار بين المذاهب والأديان، وكصديق ذاق المقربون منه مزاجه الفَكِه ومخزونه الكبير من الطرائف والمرويات.


مرويات حفظها منذ دراسته في النجف مروراً بباقي محطات سيرته التي كان قريباً فيها من «فتح» وياسر عرفات، وكمال جنبلاط والحركة الوطنية اللبنانية، من دون أن ينتهي ذلك بصداقاته القوية مع تلك الحفنة الموهوبة من «شعراء الجنوب» الذين بدأت أسماؤهم تلمع في نهاية السبعينيات، إلى مقالاته التي كان يمزج فيها ببراعة بين هذه المكونات كلها.
الأدب على أي حال كان أحد المكونات الجوهرية في حضور من كنا نسميه «السيد هاني» اختصاراً، وإذا أضفنا كُنيته، فلكي يُذكر نسبه الطيب إلى بلدة جبشيت الجنوبية وتاريخها المقاوم.
ليس المقصود من استحضار هذه المكونات والصفات في شخص الراحل أن يُكتفى بها في وداعه اليوم، بل هي صورته المفضّلة عند كثيرين صاروا أقلّ في السنوات الأخيرة التي بدّلت فيها السياسة بمعناها الضيق صورة المنطقة ككل، لا صورة أفراد مؤثرين مثل «السيد هاني» وغيره ممن تعارضت مواقفهم مما يجري، وخصوصاً تجاه ما سُمي ربيعاً عربياً تمخّض عن خريف قاسٍ لا تزال فصوله مستمرة وتعدُ بخيبات أكثر ودمار أعظم.

هو ابن النقاشات المحتدمة التي جرت في بيروت الحداثة والمقاومة واليسار والعروبة


الطالب النجفي تلقى وعيه صدمة كبيرة في هزيمة حزيران
عام 1967

لا نريد الدخول في نقاش سياسي معقد ومتشعب ليست لحظة الغياب مناسبةً له، لكن اختزال حضور هاني فحص بمواقفه الأخيرة يكاد يكون الصورة الوحيدة التي يُبرزها محبّو هذه المواقف ومناصروها، وهي صورة ناقصة حتى من وجهة نظر السيد نفسه وذهنيته المنفتحة وحضورها المتعدد.
لذلك، يُراد لهذه الكلمات التي تُكتب في لحظة رثائه أن تستحضر «تربيته» التي لطالما تحدث عنها وكتبها في مقالاته ومؤلفاته، خصوصاً في كتابه الشيق «ماضٍ لا يمضي» (جزءان ــ «دار المدى» العراقية). ويُراد لها أيضاً أن تقترب من سيرته كما كان يحب هو أن يقترب منها، ويعيش فيها بعقليته المعتدلة وشغفه العميق ورغبته المتواصلة في الانفتاح على الآخر.
ما نريد أن نتذكره هو «أوراق من دفتر الفتى العاملي»، كما عنون هو أحد مؤلفاته المبكرة. ونتداول هذه الأوراق كما كان حضور الراحل متداولاً بيننا شيخاً وقوراً لكنه منفتح ومرن، وكاتباً امتلك فرادةً في نبرته التي تجمع بين الحكي الشفاهي والكتابة، ومحاوراً يستمع جيداً ويُحاجج جيداً ويمكنك أن تُقنعه برأيك أيضاً. كان «السيد هاني» خليطاً من كل هذه الصفات التي جعلته قريباً من العامة بقدر قربه من المثقفين والكتاب والشعراء. إنه الطالب النجفي الذي سيتلقى وعيه صدمة كبيرة في هزيمة حزيران عام 1967، وستبدأ سيرته بالانقسام والتعدد منذ تلك الرضّة الوجدانية والفكرية المدويّة، وكانت البداية من المجلة التي كُلِّف مع عدد من أقرانه الطلبة الشبان بإصدارها في النجف، وحملات المنع التي تعرضت لها أفكارهم ومشاريعهم من داخل تقاليد النجف نفسها، ثم من السلطات العراقية ذاتها. دراسته الدينية تعرّضت مبكراً لتحديات سياسية وفكرية تتجاوز فكرة تحضيره ليكون إماماً وشيخاً بعد عودته إلى بلدته الجنوبية عام 1972. مارس الشيخ المعمم وظيفته الدينية، لكن شغفه بالأدب والسياسة والكتابة جعله عروبياً وناصرياً ويسارياً وفلسطينياً مثلما أقرّ لاحقاً بأنه «عراقيٌّ» في تكوينه وشخصيته وذاكرته. علاقته بالمقاومة الفلسطينية وياسر عرفات باتت معلومة قديمة، ولن نزيد شيئاً بالقول إنه كان في طائرة أبو عمار الذاهبة إلى طهران للمشاركة في استقبال الإمام الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وأنه أقام هناك ثلاثة أعوام. هاني فحص هو ابن تلك الحقبة التي ستظل مشعة في تجربته حتى بعدما بهت بريق شعارات وأفكار الحقبة نفسها، وعاشت المنطقة تحولاتٍ كبرى وحروباً وانقسامات تنذر بمستقبل مظلم. إنه ابن النقاشات المحتدمة التي جرت في بيروت الثقافة والحداثة والشعر والمقاومة واليسار والعروبة. كذلك إن وجوده كشيخ معمم داخل صورة بيروت وحداثتها الصاعدة كان جزءاً من انفتاح هذه الثقافة وتنوع مصادرها وممثليها. نتذكر علاقته بأدونيس ومجلة «مواقف»، وعلاقته بالمطران جورج خضر، وقربه من مجايليه من الشعراء والكتاب الذين بدأت بواكيرهم تصدر في تلك الفترة. نتذكر شغفه بشعر السياب وصلاح عبد الصبور، وذاكرته الواسعة التي حفظت قصائد أبي تمام والشريف الرضي والمتنبي. نتذكر سردياته الشفاهية عن حياته وذكرياته في النجف، وعن الأسماء والمرجعيات الدينية فيها، وقدرته الكبيرة كحكواتي على جعل ذلك قصة محبَّبة إلى سامعيه. نتذكر أن ابتسامته كانت تسبقه إلينا لأن عينيه كانتا غائبتين دوماً وراء نظارته السميكة بسبب ضعف بليغ في النظر. لقد أدهشنا أن نصادف شيخاً ضاحكاً مثله، ومتباسطاً في الكلام الذي يمكن أن تتدخل فيه السخرية والتوريات البذيئة. وأدهشنا بطريقة أخرى أن يكون الشيخ نفسه ناشطاً مدنياً ومثقفاً متنوراً ومشاركاً في اعتصامات سياسية، وأن يترشح للانتخابات النيابية من دون أن يفوز، وأن «يتورّط» في تفاصيل السياسة اللبنانية اليومية، وأن يعارض «حزب الله»، وأن ترتفع حدة هذه المعارضة بعد مشاركة الحزب في الحرب السورية، وأن يستثمر البعض ذلك لرسم صورة مختزلة ومجتزأة لسيرته وصورته الحقيقية. وهو اختزالٌ يتلاءم ــ للأسف ـــ مع الانقسامات الطائفية والمذهبية المستعرة التي كان الراحل واحداً من أشدّ محاربيها.

يوارى السيد هاني فحص الثرى عند الثالثة من بعد ظهر اليوم في بلدته جبشيت، ويقبل العزاء في البلدة أيام الجمعة والسبت والأحد، ويوم الثلاثاء الواقع فيه 23 أيلول (سبتمبر) في مجمع الإمام محمد مهدي شمس الدين، ويوم الأربعاء 24 أيلول في «بيال»، ويوم الخميس 25 أيلول في السفارة الفلسطينية في بيروت (الجناح).