ثلاث شركات تحتكر صناعة الاس منت وبيعه في لبنان، وهي: «هولسيم»، «الترابة الوطنية» (السبع)، «ترابة سبلين». من تبعات هذا الاحتكار، أن المصانع الثلاثة ضاعفت سعر مبيع طن الترابة السوداء (تسليم وكيل البيع) خلال 10 سنوات من 63 دولاراً في 2005 إلى 110 دولارات اليوم. المفارقة أنها لم تتوقف عن تصدير قسم من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية بأسعار أقل بكثير من سعر المبيع المحلّي، إذ بلغ سعر التصدير الوسطي 70 دولاراً للطن في 2015 و57 دولاراً في 2014 و63 دولاراً في 2011.

الاسعار العالمية

من الواضح، أن تأثير احتكار المصانع الثلاثة ينعدم في الأسواق الخارجية حيث الأسعار مكشوفة على منافسة بين المصانع العالمية. هذه المنافسة تفرض على الصانعين التقيّد بهوامش أرباح محدّدة. أي إن كلفة الإنتاج هي العنصر المتغيّر، وهي مكوّنة من مواد أولية (كلينكر)، طاقة حرارية وكهربائية، يد عاملة، كلفة استثمار، نقل... حصّة كل واحد من هذه العناصر شبه ثابتة، فالطاقة على سبيل المثال تمثّل 25% من كلفة الإنتاج بالحدّ الأدنى، وهي متغيّر أساسي في السنوات الأخيرة نظراً إلى انهيار سعر برميل النفط بنسبة 70%. ولهذا السبب، تراجعت أسعار الترابة السوداء في السوق العالمية بمستويات كبيرة. فعلى سبيل المثال كان سعر طن الترابة الوسطي في عام 2011 نحو 85 دولاراً في مصر ونحو 60 دولاراً في تركيا، لكنه انخفض اليوم إلى 60 دولاراً في مصر و50 دولاراً في تركيا... وبات أقلّ من 35 دولاراً في إيران!

انعكاسات سوقية

أما في لبنان حيث الاحتكار الثلاثي متجذّر في السوق، فالأسعار بقيت على حالها في الأشهر الـ11 الأولى من عام 2015، أي إن تجار البناء والمقاولين والمتعهدين اشتروا طن الترابة السوداء بـ110 دولارات. يقول رئيس نقابة المقاولين في لبنان مارون الحلو لـ«الأخبار»: «لا نعرف لماذا لم تنخفض أسعار الترابة السوداء في السوق رغم انخفاض أسعار النفط التي تعدّ مكوّناً أساسياً في هذه الصناعة. وليس لدي تفسير لهذه الظاهرة، أي الفرق بين سعر الطن في السوق المحلية وسعره في السوق الخارجية. في الخارج تبيعه المصانع اللبنانية والمصانع الأجنبية بأسعار متنافسة وشبه متساوية!». وقد أثار هذا الامر استياء تجار البناء والمقاولين الذين يرون أن حصّة الاسمنت من البناء تصل إلى 10%، وبالتالي فإن خفض سعره ينعكس تراجعاً في الكلفة التي يجري تحميلها للمستهلك سواء كان فرداً أو جهة خاصة أو جهة رسمية (اللبنانيون يموّلون الخزينة العامة التي تدفع كلفة الإنشاءات والتعهدات التي تقوم بها الجهات الرسمية)، ولا سيما أن السوق تمرّ بصعوبات كبيرة اليوم حيث الأسعار متهاوية في ظل شبه جمود في الطلب.

يمثّل الاسمنت ثلث خلطة الباطون التي توازي 25% من المبنى


التصدير مسموح به

في هذا الوقت، كانت المصانع الثلاثة مستمرّة في التصدير وإن بوتيرة أقلّ من السابق. تظهر إحصاءات الجمارك اللبنانية أنه في عام 2011 صدّرت المصانع الثلاثة، بصورة شرعية، نحو 400 ألف طن من الاسمنت، وفي عام 2014 صدّرت 136 ألف طن، وفي عام 2015 صدّرت نحو 60 ألفاً. واللافت أن أسعار التصدير كانت دائماً منافسة للأسعار العالمية. ففي 2011 كان سعر الطن 63 دولاراً، أي أقل من سعر مصر وأعلى من سعر تركيا. وكان التصدير مركزّا نحو بلدان محدّدة مثل سوريا وقبرص ومصر، علماً بأن العراق في السنوات السابقة كان الجهة الأكثر تفضيلاً، لكن في عام 2011 أقرّت الحكومة العراقية رسماً جمركياً على واردات الاسمنت بنسبة 15% لحماية صناعاتها من الإغراق الخارجي، ثم اندلعت الحرب في سوريا، وانحسرت فورة الإعمار وبات الجميع في انتظار الفورة الجديدة بعد انتهاء الحرب المتواصلة هناك إلى اليوم.
وفي عام 2014 انخفضت صادرات الاسمنت المنتجة محلياً إلى 57 دولاراً، وذلك تزامناً مع انخفاض أسعار النفط العالمية، ثم ارتفع السعر إلى 70 دولاراً في عام 2015 بسبب صعوبات النقل وتراجع الطلب العالمي على العقارات المبنية.
هذه كانت إحصاءات التصدير الشرعية، إلا أنه وفق معطيات شبه رسمية، فإن المصانع اللبنانية تصدّر 20% من إنتاجها بصورة غير شرعية إلى الدول المجاورة وبأسعار تنافسية ايضاً.

نتائج الاحتكار

على أي حال، فإن سعر التصدير يبقى في أفضل حالاته أفضل من الأسعار المحلية بنسبة 36%، وهو أمر مستغرب جداً ولا يمكن تبريره إلا في الاحتكار الضيّق والحماية التي يحظى بها في لبنان. فمن المعروف أن مصانع الاسمنت تملكها بصورة مباشرة أو غير مباشرة مرجعيات سياسية أو دينية، أو محميّة من زعماء سياسيين. فقد استثمرت هذه المرجعيات، بالشراكة مع القطاع الخاص أكثر من 600 مليون دولار في قطاع الاسمنت وطوّرت طاقتها الإنتاجية في العقدين الأخيرين من 1.6 مليون طن اسمنت سنوياً إلى أكثر من 10 ملايين طناً اليوم، إلا أنها تقلّص إنتاجها أو تزيده (أو تصرّح عنها رسمياً) وفق حاجات الأسواق المحلية والخارجية وقدرتها التسويقية. ففي عام 2014 باعت هذه المصانع نحو 5.5 ملايين طن في السوق المحلية وصدّرت نحو 136 ألف طن، وفي عام 2015 (الإحصاءات المتوافرة حتى أيلول) باعت 3.4 ملايين طناً في السوق المحلية، وصدّرت نحو 60 ألف طن.
أما حصص هذه المصانع من مبيعات السوق المحلية، فهي ثابتة، وهذا الأمر ناجم عن طبيعة الاحتكارات التي تستدعي تقاسم السوق بين المحتكرين. فبحسب إحصاءات صادرة عن «بلوم انفست بنك»، فإن «السبع» تستحوذ على الحصّة السوقية الأكبر من المبيعات بنسبة 44%، وتليها هولسيم بحصّة سوقية تبلغ 38%، وسبلين بحصّة 18%.
واللافت أن هذه المصانع لا تبيع منتجاتها مباشرة، بل لديها مئات وكلاء البيع الحصريين في المناطق، فتمدّهم بالكميات اللازمة والمحدّدة وفق «كوتا» متفق عليها في ما بينهم، وهم يسوّقون الكميات لدى الزبائن بالسعر المتفق عليه بين المصانع الثلاثة.

حماية بلا توازن

غير أن المرتكّز الأساسي لهذا الاحتكار هو الحماية الحكومية التي يحظى بها والتي تستند إلى حظوته ونفوذه. فمبيعات الاسمنت في لبنان، محميّة بموجب تشريعات قانونية فرضت رسوما جمركية بنسبة 75% على استيراد الاسمنت من الخارج. تاريخ هذه الحماية يعود إلى عام 1985 عندما أقرّ قانون الموازنة العامة متضمناً المادة 29 التي شرّعت وضع رسوم جمركية على استيراد الاسمنت ورسم على الاستهلاك الداخلي بقيمة 3000 ليرة على الطن الواحد. وقد استبدل رسم الاستهلاك الداخلي في قانون ضريبة القيمة المضافة لتحلّ بدلاً منه نسبة 10% على الطن.
الرسم الجمركي ليس المظلّة الوحيدة لهذه الحماية. ففي عام 1993 أخضعت الحكومة استيراد الاسمنت إلى إجازة استيراد مسبقة من وزارة الصناعة. وهذه الأخيرة لا تستخدم هذه الورقة إلا في سياق الضغط على المصانع الثلاثة لخفض اسعارها بعد رصد ارتفاعات كبيرة أو غير مبرّرة، لكن مجرّد وضع الامر بهذا الشكل، يمنح المحتكرين فرصاً لا تعدّ ولا تحصى، فمنذ سنوات عمدوا إلى زيادة سعر الطن إلى أكثر من 140 دولاراً لأشهر عديدة قبل أن تتمكن وزارة الصناعة من فرض خفض السعر عليهم بعد مفاوضات طويلة وشاقة. واليوم تمكنت وزارة الصناعة من خفض السعر إلى 100 دولار للطن الواحد (تسليم التجار).
المصانع الثلاثة تقول ان خفض السعر استناداً إلى انخفاض أسعار النفط لا ينسحب عليها لأن اثنين بينها تشغّل مصانعها على الفحم الحجري الذي لم تنخفض أسعاره إلا بنسبة 5% وتراجع الطلب يبرّر زيادة السعر أو إبقاءه على مستوياته المرتفعة لأنه يمنعها من صرف العمّال. في الواقع، فإن هذه الحمايات كلّها، وفّرت لمصانع الاسمنت في لبنان حرية تامة في بيع منتجاتها في السوق المحلية. تدخّل الدولة في التسعير لا يعفي المستهلك من دفع الثمن غير المنظور سواء في سعر الشقة المموّلة من راتبه الشهري، أو في سعر التعهدات العامة التي تلزّمها الدولة وتموّلها من الخزينة العامة.




في طيّ النسيان

من بين المواد التي اقترحتها الحكومة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب «المنسيّة» وضع رسم على استهلاك الاسمنت بقيمة 6 آلاف ليرة على كل طن. فالمشترع في لبنان يكاد يكون متواطئاً على المستهلك اللبناني، إذ يستسهل وضع الرسوم على الاستهلاك، فيما يجب أن تكون الضرائب موجّهة أكثر للاقتطاع من ارباح القطاعات الأكثر ربحية بغية إعادة توزيع الثروة في لبنان.
واللافت أن لجنة المتابعة الاقتصادية المشتركة اللبنانية ــ السورية كانت قد توصّلت إلى نتيجة مفادها أنه يجب تحرير الاسمنت والكلينكر في لبنان وإعادة النظر بموضوع إجازة الاستيراد المفروضة على المادتين إلى اللجنة الصناعية للبحث لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء إجازة الاستيراد عليها. لكن هذا الأمر ذهب في طريقه إلى المماطلة والتأجيل إلى أن انتهى برمّته بعد إنفجار الحرب في سوريا.