من العبث أن نزعم تنبّؤات موثوقة بما ستكون عليه مواقف إدوارد سعيد اليوم، لو كان ما زال على قيد الحياة. لكنّ مواقفه السابقة من قضايا شبيهة تعيننا على أن نجتهد بدرجة عالية من الصواب. ففي الوضع الفلسطيني، كان سعيد سيواصل من دون ريْب، نقده للأداء البائس والذليل للسلطة "الوطنيّة" الفلسطينية، وربما سيجدّد إلحاحه على حلّ هذه السلطة الخاوية، وإلى وقف المفاوضات التافهة التي لم تؤدّ إلى أي شيء ملموس في خضم "التعنّت" الإسرائيلي الفج والدعم الأميركي الوقح والاستخذاء الرسمي الفلسطيني المخزي.

وكان سعيد سيناصر، على الأرجح، الدعوةَ إلى انتفاضة ثالثة "لاعنفيّة" تكرّس "الوجه الأخلاقي" للكفاح الفلسطيني، وتعزّز الجو الشعبي العالمي الملتف – بشكل متزايد منذ عام 2010 بالتأكيد – حول مقاطعة الكيان الصهيوني وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه (حركة BDS). وفي تصوري أنّ إدوارد كان سيلاقي اليوم استجابات أعظم من قبل الجمهور الغربي، تحديداً بسبب اتّساع حملة المقاطعة في الغرب وبداية تمأسسها في تشكيلات شبه واضحة.
على أنّني أعتقد أنّه كان سيكون محور جدال صاخب، في الوطن العربي والعالم، حول نقطة أساسية تتصل، تحديداً، بالمقاطعة الثقافية والأكاديمي لـ "إسرائيل"، بحيث يستثني (أي إدوارد) من المقاطعة الإسرائيليين في وصفهم أفراداً، حاصراً إياها بالمؤسسات الإسرائيلية التي لم تتخذ موقفاً واضحاً في إدانة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلييْن (وهذا هو في كل حال موقف BDS في هذه النقطة بالذات، خلافاً لحملات أخرى).
أمّا في الوضع العربي، فكان ادوارد سعيد، العلماني والدنيوي والمنفتح، سيواصل نقده الصارم للحركات التكفيرية التي تضرب المنطقة العربية، ولا سيما بلاد الشام. لكنني أكاد أجزم بأنّه لم يكن سيرضى بتحالف ترأسه الولايات المتحدة الأميركية ـــ زعيمة القهر والنهب الاستعماري في العالم ـــ للخلاص من "داعش"، وهو الذي سبق أن شدّد، مراراً وتكراراً، على دور الولايات المتّحدة، الحاسم والدائم، في تدريب الجماعات الإرهابية المتأسلمة منذ عقود، وحذّر من مغبة الاعتماد على الخارج من أجل تحقيق أهداف داخلية. ولو أجرينا مقايسة منطقية مع موقفه من حرب الخليج الأولى لسَهُلَ علينا الوصول إلى الخلاصات السابقة:
فسعيد، مثلاً، شجب اجتياح صدام حسين للكويت في بداية تسعينيات القرن المنصرم، ولكنه كان ـــ في الوقت نفسه ـــ معادياً للسياسة الأميركية المناقضة لنظام العراق آنذاك. كما رفض تأييد عرفات لاجتياح صدام حسين للكويت، لكنّه عارض ـــ في الوقت نفسه ـــ أيّ ضربة عسكرية أميركية/"دوليّة" للعراق. إنّ أخلاقية ادوارد سعيد هي التي حَتّمتْ عليه أن يُعطيَ الأولويّةَ للإنسان، ولقيم الإنسان، بعيداً عن كل سياسة، إمبرياليّةٍ أو قومويّةٍ أو "واقعيّةٍ" زائفة، أو منافقةٍ تكيل الأمور بمكيالين: فتؤيّد الاحتلال والقمع هنا وتشجبهما هناك.

لم يكن ليبرر الاستبداد الداخلي بذريعة أولوية صد الخطر الخارجي
ولو كان ادوارد حيّاً بيننا لتوقعنا، مثلاً، أن يعتبر قصف أميركا للدواعش في سوريا اليوم اعتداءً سافراً على سيادة هذا البلد العربي، رغم مقته الشديد للنظام القمعي فيه.
وفي تصوّري أنّ موقفه الأخلاقي هذا كان سيسحب نفسه على احتجاجات "الربيع العربي" نفسِها. فلطالما سَلَقَ إدوارد سعيد أنظمةَ القمع والتخلّف العربي، نظاماً نظاماً، بلسانه الحاد. ولذا كنّا سنتوقّع أن يبارك الاحتجاجاتِ في تونس ومصر والبحرين واليمن وسوريا. لكنّنا سنتوقّع، أيضاً، أن يكون أكثر حذراً من غالبيّة "مفكّرينا": فلا ينبهرَ بالقشور الثورجيّة، ولا يبرّر "سقطات" الثوّار "المحتومة"، بل كان سيُسهب ـــ غير هيّابٍ ـــ في الحديث عن معالم الارتداد عن "الثورة" منذ البداية، وقبلنا جميعاً. وفي تصوّري أنّ إدوارد كان سيكون من أشد الشاجبين لتحالف بعض "المعارضات" العربية و"المثقفين" العرب من جهة، مع الإمبريالية الأميركية وأنظمة النفط والغاز والتطبيع وقطعِ الأيدي والرؤوس ورجْمِ "الزّناة" من جهةٍ أخرى (أثمّة دليل أقوى على ذلك من اشمئزازه من كتّابٍ ذوي أصولٍ عربيّةٍ نظّروا لهذا التحالف البشع، أمثال فؤاد عجمي وكنعان مكيّة؟).لطالما انحرف العاملون في الشأن الثقافي والسياسي عن مبادئهم الأولى. يكفي أن نراجع سِيَرَ اليساريين والقوميين المنقلبين إلى دعم التميميّة القطَريّة والوهابية السعوديّة مثلاً كي ندرك أنْ لا حتميّةَ في تصوّر مآلِ أيٍّ من المثقّفين (أو غيرِهم في هذا المجال). لكن إدوارد سعيد، على ما يبدو، كان ينتمي إلى طينة أخلاقيّة نبيلة مختلفة؛ فلم يُؤْثَرْ عنه يوماً أنّه انحرف إلى تأييدِ ظالمٍ، أيًّا كانت "المبرّراتُ" التي يعطيها سدنةُ الهياكل للظالمين. وفي ذكرى رحيله نفتقر إلى هذه الطينة النبيلة الفريدة التي تكاد اليوم تضمحل في صفوف العاملين في الشأنيْن الثقافي والسياسي، بذريعة "تقديم أولوية مواجهة هذا الخطر على ذاك".
نعم، لم يكن ادوارد يوماً ليبرّر الاستبداد الداخلي وصنوف السحل والتعذيب المختلفة، بذريعة "أولوية" صدّ الخطر الخارجي. ولم يكن ليبرّر استقدام "هتلرات" الغرب، بذريعة وقف "هولاكوات" الشرق. واليوم، لا أعتقد أنّ أخطار داعش وغيرها من تنظيمات الإرهاب التكفيري المتأسلم كانت ستدفع العزيز ادوارد إلى التصفيق لتحالُف النازيين الغربيين الجدد والوهّابيين المتأسلمين الجدد.
إدوارد سعيد سيبقى في وجداننا ما دمنا نؤمن أنْ لا أولَويّة إلا لقيم الإنسان الحرة الخيّرة، المتفلّتةِ من كلّ إرهاب خارجي أو داخلي، عسكري أو اجتماعي، ديني أو دنيوي.

*رئيس تحرير مجلّة "الآداب" (تصدر إلكترونيّاً قريباً) وعضو في حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان.