لن يختلف فصل الشتاء هذا العام عما سبقه، المعاناة نفسها ستتكرر وقد تكون بدرجة أكبر. فالأمطار التي سقطت منذ نحو 10 أيام كانت كفيلة بأن ترفع درجات الاستنفار ليصل الأمر في بعض المناطق إلى تحرّك الدفاع المدني من أجل مساعدة الناس الغارقين في الفيضانات. أوتوستراد ضبية - جونية تحوّل إلى بركة مياه، ما خلق زحمة سير خانقة على طول الأوتوستراد الممتد من ضبيه إلى المعاملتين. منطقة جسر الغزير طافت، وغمرت المياه السيارات فاحتُجز الناس داخلها.


كذلك فإن فيضان نهر العاصي هذا الشهر وما ألحقه من أضرار في المقاهي وأحواض السمك دفع وزارة الطاقة والمياه، المسؤولة عن تنظيف مجاري الأنهر، إلى إصدار بيان تعلن فيه عدم توافر الاعتمادات اللازمة للتنظيف، وبالتالي على «المواطنين التحلي بأعلى درجات الحس الوطني للحفاظ على المجاري، وذلك بعدم رمي الأوساخ والأتربة والنفايات ضمنها». هكذا إذاً وبكل بساطة أخرجت الوزارة نفسها من الموضوع، يعلن وزير الطاقة والمياه أرتور نظاريان أن «هناك اعتماداً صغير للحالات الطارئة وعلى البلديات أن تتولى مهمة التنظيف»، لكن هل ستنجز البلديات هذه المهمة؟ لا أحد يعرف، «لكن نأمل ذلك»، يجيب نظريان، فالبلديات تدخل ضمن نطاق وزارة الداخلية، ما يعني أنه لا يمكن لوزارة الطاقة أن تتدخل، من هنا تبدأ عملية رمي المسؤوليات. العام الماضي غرق المواطنون في بيروت، وما زالت كارثة نفق المطار عالقة في أذهان الجميع. ارتفع منسوب المياه إلى متر ونصف متر وكانت السيارات عائمة داخل النفق والمواطنون يحاولون إنقاذ أنفسهم وممتلكاتهم. فتحت هذه الكارثة أبواب تبادل التهم والمسؤوليات بين وزارة الأشغال العامة ووزارة المال وشركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات «MEAS»، ما أدّى إلى استقالة وزير الأشغال العامة آنذاك غازي العريضي، ووضع النيابة العامّة المالية يدها على «الملف» من دون ان يصل الامر الى مستوى المحاكمة، او الاعلان عن نتائج التحقيقات وتحديد المسؤوليات. لا شيء يضمن عدم تكرار هذه الكارثة اليوم، بل إن جميع المؤشرات تنبئ بتكرارها ليس فقط في النفق، بيروت ستغرق عند العاصفة الأولى.

هناك مناطق محددة في بيروت ستغرق وهي خطوط التماس

بعيداً عن الاتهامات المتبادلة بالتقصير والإهمال بين وزارة الأشغال والمتعهدين، تكمن المشكلة الأساسية لمدينة بيروت في ضعف البنى التحتية المخصصة لتصريف المياه وغياب التخطيط ما يفاقم الكارثة. يشرح المتعهد المسؤول عن صيانة المجاري الشتوية في مدينة بيروت، رياض الأسعد، عملية الصيانة التي تقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تبدأ من 15 آب حتى 15 تشرين الأول، أي قبل هطول الأمطار، ويجري خلالها تنظيف الشبكات. والمرحلة الثانية تجري بعد أول هطول للمطر فتُراقب المناطق التي حصلت فيها مشاكل وتعالج، وتوزّع أخيراً المعدات على المناطق الأكثر عرضة للخطر. نطاق مسؤولية متعهد بيروت يبدأ من نهر بيروت باتجاه الساحل والمدينة الرياضية وصولاً إلى الطيونة ثم فرن الشباك. بالطبع تستثنى منطقة سوليدير من هذه التركيبة، نظراً إلى سيادتها المطلقة على أرضها. يؤكد الأسعد أن المداخل والمخارج الأساسية لبيروت جرى تنظيفها، إلاّ أن هناك طرقات كثيرة لم تلحقها عملية التنظيف.
الحديث عن الطوفان المنتظر ليس فقط حديثا عن مجارٍ وأمطار ومعاناة ناس، بل هو أيضا مثلٌ بسيط يمكن من خلاله فهم السياسة التي انتهجتها الدولة في التعامل مع هذه المشاكل. بيروت بمستوياتها الكبيرة (الاحياء المحظية بالرعاية) لن تطوف على نحو كارثي، إذ سيقتصر الطوفان فيها على دقائق قليلة، لكن هناك مناطق محددة في بيروت ستغرق، وهي خطوط التماس. فحتى عندما نتحدث عن الأمطار، هناك خطوط تماس قد تكون طائفية، إدارية، خدماتية أو طبقية. هذه الخطوط هي التي ستغرق وفق كلام الأسعد، الذي يعرف «أحشاء» بيروت ومشاكلها. لذلك عند وصول العاصفة على الناس تجنّب أكثر من 12 منطقة في بيروت تسمّى في كلام المتعهدين «نقاط خطر» أو «خطوط تماس»، أي مناطق معرّضة على نحو كبير للطوفان. تستعد منطقة صبرا وشاتيلا لشتاء كارثي، حيث تُعدّ منطقة تماس إداري بين بلديتي بيروت والغبيري، كلتا البلديتين ترى أن لا علاقة لها بما يحصل هناك، فيقع النزاع وتطوف المنطقة بأكملها. كذلك فإن منطقة الكولا تمثل إحدى نقاط الخطر لأنها منطقة منخفضة، ما يعني تجمّع السيول فيها. إلى جانب الكولا تقع وطى المصيطبة، التي جرت معالجتها بحيث لم تعد تطوف، لكن نقطة «الحُرج» الموجودة وسط الوطى ستطوف نظراً إلى كونها منطقة تماس طبقي بين الأغنياء في الوطى والفقراء القابعين في الحرج. كذلك تعد منطقة الماريوت نقطة خطر بسبب عدم وصلها بشبكات التصريف، أما منطقة السلطان ابراهيم، فتمثل نقطة تماس إداري وخدماتي وطبقي، ولا تمر فيها شبكات لتصريف المياه، ما يعني: الطوفان آتٍ. إضافة إلى هذه النقاط، هناك نزلة برج المر التي فيها شبكات غير مدروسة ولم تنظَّف، أسفل ساحة ساسين، منطقة عين البيضاء بين شاتيلا والطيونة، نقطة الريفييرا (المنارة)، منطقة بيروت- برج حمود، وأخيراً الكرنتينا، التي تمثل الخطر الأكبر. لا ينتهي الأمر هنا، بل إن منطقة العدلية أيضاً تمثل إحدى نقاط الخطر الأساسية لأن معظم الشبكات تمر فيها، وبالتالي هي نقطة ضعف، وأيضاً منطقة الأبراج- الحكمة، وهي تماس إداري بين فرن الشباك وسن الفيل، وبناها التحتية ضعيفة. أمّا منطقة الرملة البيضاء، وتحديداً نقطة الـ»غراند كافيه»، ففضلا عن كونها تماسا خدماتيا نظراً لكثرة الشبكات المارّة هناك، تختفي فيها عبّارة يبحث عنها الجميع، وإلى حين إيجادها ستطوف المنطقة! إضافةً إلى هذه المناطق، يحدد المتعهد المسؤول عن الأشغال من نهر الموت باتجاه طرابلس مرسال كيروز المناطق الأكثر عرضة للطوفان ضمن نطاقه، وهي المارينا ضبية لأنها بحاجة إلى بنى تحتية جديدة، وخصوصاً بعد الضغط الذي ولّده مجمّع الـ ABC، وكذلك منطقة نهر الموت عند المدينة الصناعية. أمّا الخطر الأكبر ضمن نطاق متعهد أشغال الضاحية الجنوبية جهاد العرب، فهو نهر الغدير الذي يتطلب حلاً مكلفاً غير متوافر حالياً، ما يعني أن الكارثة ستقع مجدداً، وستصل حتماً إلى نفق المطار. هذا ما يؤكده مدير المشاريع في الـ «MEAS» محمد شاتيلا، الذي يعلن أنه ما دامت مشكلة الغدير قائمة، فستبقى مشكلة النفق قائمة.
إشكالية أخرى تطرح اليوم على نحو جدي، وتتطلب تدخلا سريعاً لتجنّب الدخول في كارثة أكبر. فقد أعلن رياض الأسعد أن الأموال المخصصة لعمليات التنظيف والطوارئ والمهمات شارفت على الانتهاء، وبالتالي لن يتمكن من المتابعة ما لم تؤمن الوزارة الأموال الضرورية. التوقّف عن أعمال الصيانة يعني أن الخطر في بيروت أصبح يطاول جميع المناطق، وإذا غرق الناس فلن ينقذهم أحد. «الكميات المتوافرة يمكن أن تسعفنا بالحد الأقصى لمدة 10 أيام، وبعد ذلك على الوزارة أن تقرر ما العمل، لأن الناس سيغرقون»، يقول الأسعد. مشكلة أكبر متعهد للأشغال مع الوزارة هي تمنّع الوزير غازي زعيتر عن تسديد المستحقات سوى بعد مماطلة، إذ تقدّم الأسعد بـ 3 كشوفات منذ بداية السنة لم يحصّل منها سوى كشفين الأسبوع الماضي، بعد مرور 6 أشهر على تقديم الكشف الأول. يوضح الأسعد أنه لا يمكنه أن يعمل بأموال خارج إطار العقد، والحل المتوافر لدى الوزير هو إجراء جدول مقارنة لنقل بعض الاعتمادات إلى عمليات التنظيف، إلا أن هذا الحل مؤقت أيضاً، بحيث يمكن أن يغطّي شهران فقط.





فيضان في «سما بيروت»

مشاريع ضخمة عديدة تنتظرها مدينة بيروت. الكثير منها حصل على رخص من دون أن تُجري الدولة أي دراسة أو تخطيط لتحديد مدى قدرة هذه المدينة وبناها التحتية على التحمّل. هذه المشاريع ستكون بمثابة الكارثة مع انتهائها، نظراً إلى الأضرار الجسيمة التي ستلحقها بالممتلكات العامة وبالمواطنين. يُعد مشروع «سما بيروت» أخطرها، إذ إن الدولة سمحت بإقامة مشروع سكني ضخم هو عبارة عن أعلى برج في لبنان مكوّن من 50 طابقاً، في منطقة السوديكو، ما سيقضي على البنى التحتية لتلك المنطقة، حيث بقيت الطرقات، شبكات الكهرباء، المياه العذبة، والمجاري على حالها من دون أي تطوير أو تحسين، لتتمكن من تحمّل الضغط الإضافي. يوضح المتعهد رياض الأسعد بعملية حسابية بسيطة حجم الضغط الأدنى المتولد عن إنشاء البرج، فإذا اعتبرنا أن كل طابق فيه شقة واحدة فقط، فيها 5 أشخاص، يصرف كل منهم 150 ليتر مياه في اليوم، فهذا يعني تصريف 37500 ليتر من المياه الإضافية في مجارٍ ضعيفة، ما سيؤدي إلى طوفان منطقة السوديكو ومونو. المشاريع التي ستُقام في تقاطع جسر الرينغ- سوليدير- بشارة الخوري، ستؤدي إلى خراب المنطقة أيضا، إذ ستبرز بنايات ضخمة في منطقة كانت شبه فارغة ومجاريها مغلقة ما يعني خراب المنطقة.