ماذا حلّ بالإصلاحات التي أعلنها رئيس الحكومة حيدر العبادي في آب الماضي؟ السؤال يشغل غالبية العراقيين في هذه الأيام، خصوصاً بعد إعلان المرجعية الدينية التوقف عن الخطبة السياسية، تعبيراً عن "السخط" على عدم وجود إجراءات فعلية تقلّل من حجم آثار الأزمة الاقتصادية، وتخفف من حدة الفساد المالي.

وبما أن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع، بالرغم من الفترة الكافية (نصف عام على إعلان العبادي) لتنفيذ إصلاحات مثل التي أرادها رئيس الحكومة، فإن المرجعية التي أعلنت التوقف عن الحديث السياسي، كما هي العادة في كل يوم جمعة، وضعت العبادي ومشروعه في الواجهة مجدداً، وأعادت إنتاج تساؤلات عدة أهمها فرصة التغيير مع بقاء نظام المحاصصة مهيمناً على مفاصل القرار السياسي.
وفي إجراء كانت الغاية منه على ما يبدو الرد على "غضب" المرجع علي السيستاني، رمى رئيس الحكومة الكرة إلى ملعب القوى السياسية والبرلمان، وطالبها بـ"تغيير وزاري جذري".
العبادي الذي أراد أن ينأى بنفسه عن تأخر أو عدم تحقيق الإصلاحات، قال مخاطباً البرلمان والقوى السياسية: "أدعو إلى تغيير وزاري جوهري يضم شخصيات مهنية وتكنوقراط وأكاديميين، وأدعو في هذا الإطار مجلس النواب والكتل السياسية للتعاون معنا في هذه المرحلة الخطيرة".
وفي اعتقاد كثيرين أن رئيس الحكومة وجّه "رسالة مبطنة" مفادها أن القوى السياسية لم تتعاون معه في السابق في ما يخص المواقع الحكومية وقضايا الفساد، وهو اعتقاد ينسجم مع ما سجله مراقبون، طوال الفترة الماضية، عن حالة التردد التي أبداها العبادي في إنجاز حزمة وعد بها، استجابة لتظاهرات شهدتها المدن العراقية في الصيف الماضي، ولدعوات مكررة من السيستاني في الخطبة التي يلقيها ممثلوه في كربلاء.

أشارت مصادر إلى نية العبادي تقديم قائمة بوزراء من كتل كبيرة لا يريد استمرارهم

وفي رد على خطاب العبادي الأخير، الذي ألقاه في وقت متأخر من ليل أول من أمس، رأى النائب عن ائتلاف "الوطنية" حامد المطلك أنه لا توجد "حجة" لدى القوى السياسية لرفض مبدأ الإصلاح، وقال: "لا يمكن أحداً رفض مبدأ الإصلاح، وعلى كل الأطراف أن تكون مع أي توجه من شأنه رفع الأزمات وتخفيف أعبائها". وأضاف لـ"الأخبار" أن "الإصلاحات يجب أن توضع على أسس ومعايير صحيحة، وتتوخى الدقة في تنفيذ إصلاحات حكومية كالتي يعلنها رئيس الحكومة". وأشار إلى أن "الأمور وصلت إلى حد لا يطاق، علينا كقوى سياسية أن نبدأ بإجراءات من شأنها إزالة أي سبب يعرقل الإصلاحات".
وتشكل دعوة العبادي إلى "حكومة تكنوقراط" مثار جدل سياسي، ذلك أن نظام المحاصصة الذي يُتّبع في تقسيم المناصب الحكومية، والذي مكّن رئيس الوزراء نفسه من الحصول على المنصب لا يدعم هذا التوجه، كذلك لا تبدو القوى السياسية الرئيسية مستعدة للدفع بحصتها قرباناً لـ "المشروع الإصلاحي".
وفي السياق، تحدثت مصادر عن نية العبادي تقديم قائمة بوزراء ينتمون إلى كتل كبيرة لا يريد استمرارهم في حكومته. وعلمت "الأخبار" من مصادر مطلعة أن القائمة تضم كلاً من وزير الداخلية الذي ينتمي إلى كتلة "بدر" محمد الغبان، ووزير النقل التابع لكتلة "المواطن" باقر الزبيدي، ووزير المالية هوشيار زيباري، وهو قيادي في "التحالف الكردستاني"، ووزير الصناعة من كتلة "الأحرار" محمد صاحب الدراجي، ووزير التعليم حسين الشهرستاني، وهو من كتلة "دولة القانون" التي ينتمي إليها العبادي أيضاً.
ودعا النائب عن كتلة "بدر" رزاق الحيدري إلى أن "تكون التغييرات الوزارية ذات جدوى، خلافاً لمشروع دمج الوزارات الذي جرى العام الماضي". وقال الحيدري، الذي خسرت كتلته منصباً حكومياً (وزارة البلديات) في إجراء دمج الوزارات الذي نفذه العبادي، قبل أشهر، إن "دمج وزارات، سابقاً، لم يأتِ بنتائج، وهذا يعني أن الإصلاحات التي أُعلنت يجب أن تكون ذات جدوى وأن يكون هناك تغيير على أرض الواقع".
وأوضح لـ"الأخبار" أن "أي تغيير وزاري لن يأتي بجديد على مستوى وضع الدولة، يعني أنه مجرد تبادل مواقع وظيفية بين الكتل الساسية". وطالب بأن "تُجرى الإصلاحات وفق خطة مضمونة واضحة المعالم ومعروفة نتيجة تطبيقها، لا أن تكون أفعالاً ارتجالية تقتصر على الإعلام".
من جهته، أكد رئيس البرلمان سليم الجبوري، أمس، أن مجلس النواب لم يتسلّم رسمياً الدعوة التي أطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي بشأن التغيير الوزاري، وقال الجبوري في مؤتمر صحافي عقده في محافظة كركوك (شمال)، إن "هذه الدعوة ستأخذ المدى القانوني عند وصولها إلى مجلس النواب"، مشيراً إلى أن "الحكومة بحاجة إلى الاعتماد على التكنوقراط".
لكن تناغم الجبوري مع "التكنوقراط" لا يعكس بالضرورة قناعة غالبية قوى البرلمان العراقي، في ظل تصوّر واسع بأن المحاصصة هي ما أفشل الإصلاح، سواء في الحكومة أو في البرلمان. وعزا النائب عن ائتلاف "دولة القانون" كامل الزيدي فشل الحكومة في الإصلاحات السابقة إلى ضغوط ومصالح الأحزاب السياسية. وقال إن "هناك محاولات وإشعارات للإصلاحات التي دائماً ما تعلنها الحكومة في اجتماعاتها، إلا أننا إلى الآن لم نلمس شيئاً من تطبيقها على أرض الواقع".
بالمحصلة، إن القوى السياسية الكبيرة ــ وفيما لم تعلن ذلك ــ من المتوقع أن ترفض مشروع التكنوقراط إذا كان يضمن للعبادي الاحتفاظ بمنصبه دون غيره، بمعنى أن القوى السياسية إذا اضطرت إلى هذا الخيار واستبدال وزرائها كإجراء طارئ لتخفيف الإنفاق الحكومي وتقليص المناصب ومواجهة الأزمة المالية، فإنها ستطالب بأن يشمل هذا التغيير منصب رئيس الحكومة أيضاً.