في كانون الأول ٢٠١٢، زار الشيخ أحمد الأسير منطقة عكّار. في تلك الزيارة، التي قاطعها رؤساء بلديات المنطقة وبعض فاعلياتها، تعرّف الشيخ خالد حُبلص إلى الأسير واستقبله في منزله. لم يكن الرجلان قد التقيا سابقاً، إلا أنّ حُبلص أعرب خلال اللقاء عن إعجابه بالضيف الوافد من صيدا وبمشروعه، داعياً إياه إلى إلقاء محاضرة دينية في مسجد هارون الذي يخطب فيه في بحنين (المنية).


رحّب الأسير. وبالفعل، عاد لاحقاً وألقى محاضرات سياسية ودينية في المسجد المذكور. ساهمت هذه اللقاءات في نشوء علاقة مميزة بين الرجلين، يقول عارفو الشيخ العكّاري إنها أثّرت كثيراً في حُبلص الذي أسرّ لأحد أصدقائه من المشايخ بأنّه يرى في الأسير مثالاً يُحتذى، وكاد يُشبّهه بـ«شيخ المجاهدين» عبد الله عزام الذي يعتبره حُبلص قدوته في عالم الدعوة والجهاد.

جنّد شباناً
للقتال في سوريا
ودعا الى «ثورة
سنيّة شعبية»

قبل ذلك، لم يكن للشيخ الأربعيني شأن يُذكر. نشأ في مرحلته الأولى في صفوف الجماعة الإسلامية قبل أن يتأثّر بالمنهج السلفي. في التسعينيات، خُطف وعُثر عليه في مرمياً داخل مقبرة في باب الرمل. يومها اتُّهمت حركة «المشاريع» باختطافه بسبب الصراع بين الأحباش والسلفيين. انتقل حُبلص ــ وهو من إحدى قرى عكّار ـــ إلى المنية قبل سنوات، قادماً من طرابلس. بداية، كان يؤم الصلاة في جامع المطحنة القريب من الطريق السريع. ومنذ نحو خمس سنوات، انتقل إلى إمامة مسجد هارون في بحنين. كان المسجد صغيراً، فهدمه وأعاد تشييده بتمويل خليجي.
في السنوات الثلاث الأخيرة، استضاف حُبلص مشايخ سلفيين خليجيين، وشهد مسجده إقبالاً من الشباب. ومع بدء الأحداث في سوريا، جنّد مجموعات من الشباب للقتال الى جانب المجموعات المسلحة. ومع اندلاع أحداث عبرا، حشد مؤيديه في مهرجان حاشد انطلق من أمام مسجده لاستنكار ما يتعرّض له الشيخ الأسير. وبعد فرار الأخير، خفت حسّ حُبلص إلى حين. لكنه عاد بعدها بهمّة أعلى، وميّزت عودته نبرة حادة. وحاكى في خُطب الجمعة أسلوب الأسير، حتى بات عارفوه يُجمعون على أنّه «خليفة الأسير في طرابلس والشمال». واستقطب خطابه المتشدد عشرات الشبّان، علماً بأن المعلومات تؤكد أن مجموعته لا تزيد على ثلاثين شاباً لبنانياً، إضافة إلى نازحين سوريين. وكان إلى جانبه، رفيق دربه الشيخ رسلان ملص الذي يخطب في مسجد خالد بن الوليد في المخّاضة (المنية). وقد ترافق الشيخان مرات عدة مع العقيد المتقاعد عميد حمود للقاء الشيخ الأسير في قاعة جمعية «سُبل السلام»، العائدة لملص. أما عن المرجعية الفكرية التي ينتمي إليها حُبلص، فتكشف المعلومات أنّه «مقرّب فكرياً من جبهة النصرة»، كاشفة أنه «لا يزال على اتصال مع الشيخ أحمد الأسير».
بعد انكفاء إمام مسجد التقوى الشيخ سالم الرافعي إثر إصابته في عرسال في الخامس من آب، انتقل حُبلص إلى طرابلس لأداء صلاة الجمعة في مسجد التقوى. لم يُعرف لماذا وقع الاختيار على حُبلص دون غيره. ومنذ قدومه، وصف مشايخ في «هيئة علماء المسلمين» جميع خُطب الجمعة التي ألقاها بالنارية. وكان في كل مرّة يدعو إلى «ثورة سنيّة شعبية»، يعود ليُعلن عن إرجائها بعد وساطات دينية وسياسية. وكان آخرها يوم الجمعة الماضي، عندما أطلق «ثورة رفع المظالم واسترداد الحقوق» التي دعا فيها إلى «قطع الأوصال في المناطق الشمالية حتى فك الحصار»، متوجهاً إلى السياسيين بالقول: «ندعو السياسيين إلى عدم إعطاء الغطاء لقتل الشباب وإلّا سيلتَهبُ لبنان كلّه».
أمس، شهد مربّع حُبلص اشتباكات عنيفة، وتذكر المعلومات أنّه وجّه رسالة صوتية يستنكر خذلانه بعد إطلاق «الثورة السنيّة». وعلمت «الأخبار» من مصادر أمنية أن حُبلص تمكّن من الفرار إلى بساتين بحنين مع عدد من أفراد مجموعته حيث يلاحقهم الجيش، كاشفة أن القرار اتّخذ باعتقال حُبلص أو قتله إذا استلزم الأمر، علماً بأن معلومات موازية تكشف عن مصير مشابه للأسير يتمثّل بترك مهرب له للتواري.