بدأت المعارك في مناطق الأسواق القديمة باعتداء على دورية للجيش، مساء الجمعة الماضي واستمرت طوال يوم السبت. وقد تمكن الجيش من تطويق المنطقة ومحاصرة المسلحين الذين تحصنوا داخلها. وشملت المعارك خان العسكر والدباغة وسوق البازركان وخان الخياطين وسوق النحاسين والتربيعة والسوق العريض، وصولاً إلى سوق الصاغة قرب الجامع المنصوري الكبير وساحة النجمة وطلعة الرفاعية. وتردد أن مجموعة تتبع شادي مولوي وأسامة منصور التحقت بالمسلحين، وقادت المعارك ضد الجيش.


تدهور الوضع دفع الفاعليات السياسية والدينية إلى التحرك سريعاً، فعقد في منزل مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار اجتماع حضره الرئيس نجيب ميقاتي ونواب المدينة وفاعلياتها، إضافة إلى مسؤول استخبارات الجيش في الشمال العميد عامر الحسن، أكد بعده ميقاتي أن طرابلس "لا تقبل وجود أي فئة إرهابية فيها". فيما أيّد الشعار "خطوات الجيش في مطاردة خلية إرهابية". وغاب عن الاجتماع وزير العدل أشرف ريفي، الذي دعا الى اجتماع في منزله اقتصر على نواب تيار المستقبل، قبل أن يعقد لقاءً آخر مع وفد من "هيئة علماء المسلمين" أبلغوه فيه أن المسلحين سينسحبون من الأسواق. وأثار تعدد اللقاءات انزعاجاً في الأوساط الطرابلسية لأن قيادات المدينة بدت غير قادرة على تجاوز خلافاتها السياسية في وقت تحترق فيه المدينة أمام أعينهم.

القيادات السياسية لم تتجاوز خلافاتها ومساع لهدنة رفضها الجيش


وانتهى يوم السبت بحصيلة أولية هي شهيدان مدنيان و9 جرحى في صفوف الجيش، بينهم ملازم و5 جرحى مدنيين، فيما بقي عدد قتلى المسلحين وجرحاهم مجهولاً.
لكن المشهد الأمني والسياسي ازداد تعقيداً أمس، مع اتساع رقعة الاشتباكات إلى خارج منطقة الأسواق التي بسط الجيش سيطرته عليها بعد انسحاب المسلحين، ومنها باب التبانة والمنية اللتان شهدتا اشتباكات عنيفة واعتداءات غير مسبوقة على الجيش.
فبعدما شدد الجيش حصاره على المسلحين في الأسواق، أقدموا قرابة الرابعة من فجر الأحد على التسلل من منطقة خان العسكر إلى باب التبانة، بعد اجتياز سقف نهر أبو علي، لكن الجيش نصب لهم كميناً أوقع بين صفوفهم عدداً من القتلى والجرحى، تردد أن بينهم شادي مولوي الذي أصيب في قدمه. فيما عثر على جثتين لمسلحين في نهر أبو علي. ولاحقاً، تصاعدت الاشتباكات وشملت كل مداخل باب التبانة، ودخل الجيش للمرة الأولى إلى عمق المنطقة بعد سيطرته على ساحة الأسمر المحاذية لمسجد عبد الله بن مسعود،، وقطع الطريق الدولية من مستديرة الملولة حتى دوار نهر أبو علي، وقامت سفينة حربية بدورية أمام مردف نهر أبو علي. وبعد الظهر، اشتدت المعارك في باب التبانة ومحيطها، وصولاً إلى الزاهرية وبراد البيسار ومحيط ثانوية الغرباء الرسمية خلف جامع التقوى، وسوق القمح وجبانة باب التبانة وسوق الخضر.
وعقد أمس اجتماع في منزل النائب محمد كبارة، أعلن بعده أن "طرابلس في كنف الدولة والمؤسسات الشرعية وأنها ضد الإرهاب من أي جهة أتى"، ودعا الى "تطبيق الخطة الأمنية بالأسلوب السلمي الذي تم سابقاً"، وحذر من "الإفراط في استخدام القوة، ومن أخذ المدنيين بجريرة مجموعة مسلحة خارجة عن القانون". وتحدثت معلومات عن مساع يبذلها المفتي الشعار، بعد اتصاله بقائد الجيش العماد جان قهوجي، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإجلاء المدنيين الذين خرجوا بالمئات على دفعات. لكن مصدراً عسكرياً رفض التوصل إلى مثل هذا الاتفاق "حتى لا يستغله المسلحون من أجل تعزيز مواقعهم"، وهو ما ترجم في عودة الاشتباكات إلى عنفها مساء، بعد فترة هدوء حذر.
في غضون ذلك، فتحت معركة أخرى ضد الجيش في منطقة المنية، للضغط على الجيش من أجل تخفيف حصاره على مسلحي طرابلس. فبعد ظهر السبت، حاول مسلحون عند جسر المحمرة عند مدخل المنية الشمالي لجهة عكار، خطف 5 عسكريين من "فان" للركاب، قبل أن تشهد المنية انتشاراً لمسلحين مقنعين بالتزامن مع استقدام الجيش تعزيزات إلى المنطقة، ومحاصرته مسجد هارون الذي تحصّن قربه مسلحون موالون للشيخ السلفي خالد حبلص. وكان حبلص قد دعا بعد اندلاع معركة أسواق طرابلس إلى قيام "ثورة سنية"، وإلى انشقاق الجنود السّنة عن الجيش، بالتزامن مع دعوة مماثلة وجهها مؤسس التيار السلفي في لبنان الشيخ داعي الإسلام الشهال.
وشهد محيط مسجد هارون اشتباكات عنيفة استعان فيها الجيش بالمروحيات، بعدما عمد المسلحون في المنطقة إلى استهداف آلية للجيش أدت إلى استشهاد ضابط وجرح عنصرين، بالتزامن مع خطف مسلحين تابعين لشادي مولوي في باب التبانة عسكرياً من منطقة بشري كان داخل سيارة أجرة، واشتراطهم للإفراج عنه فكّ الحصار عنهم في باب التبانة والشيخ حبلص، وفق ما نقل عن مولوي.
وتواصلت أمس المعارك في المنية بين الجيش ومسلحي حبلص، بعد استهداف مروحيات الجيش مربع حبلص الأمني، واقتحام منزله وجامعة الشرق ومدرسة السلام. وعثر الجيش على 3 سيارات مفخخة وأسلحة وذخائر و50 عبوة ناسفة، فيما فرّ حبلص ومسلحوه نحو ضهور المنية وبساتينها لجهة البحر.
وتعرض الجيش لكمين نصبه مسلحون في ضهور بلدة بحنين، أدى إلى سقوط 4 شهداء، بينهم ضابط برتبة نقيب هو جهاد الهبر، وإصابة 9 جنود بجروح نقلوا إلى مستشفيات المنطقة، ما أدى إلى توتر الأوضاع مجدداً في المنطقة، وقطع الجيش مساء كل الطرقات المؤدية الى المنطقة، بعدما استعان بتعزيزات إضافية، ما ينذر بأن الأوضاع في المنية متجهة الى مزيد من التصعيد، وخصوصاً إذا خرجت خلايا نائمة لمساعدة حبلص ومجموعته المسلحة، التي تراوحت التقديرات حول عددها بين 50 و100 مسلح.