تحوّل الملف الرئاسي الى أشبه ما يكون بلعبة الكراسي الموسيقية مع بعض التعديل. كل من الأطراف المحلية والاقليمية مستوٍ على كرسيه فيما المرشحان الرئيسيان، ميشال عون وسليمان فرنجية، ومعهم مرشحون وطامحون كثر، ينتظرون فراغ أحد الكراسي للجلوس عليها. عملياً، عادت اللعبة الى المربع الأول في انتظار انطلاق العزف من جديد. وفي الأثناء، يحسب كل طرف خطواته جيداً خوفاً من التعثّر، ويعتبر إعاقة بقية الاطراف مكسباً له:
ــــ ميشال عون يجد نفسه أقرب إلى بعبدا أكثر من أي وقت مضى، متسلّحاً بدعم مسيحي واسع بعد «تفاهم معراب»، وبدعم القوة الرئيسية في الطائفة الشيعية. وهو يرى أن دعم المكوّن السني له، دونه خطوة واحدة بعدما خطا الرئيس سعد الحريري الخطوة الأولى بترشيحه زعيم تيار المردة. وعليه، يعوّل جنرال الرابية على الحوار المتجدّد مع تيار المستقبل رغم ان تجربة الحوار السابقة لم تكن مشجعة بعد تنصّل الحريري من وعوده. لكنه يأمل في تغير ما في الموقف السعودي، كما يأمل بأن حزب الله قادر في وقت من الأوقات على إقناع فرنجية بسحب ترشيحه.
ــــ سليمان فرنجية ليس في وارد الانسحاب من السباق الرئاسي أبداً، بل يتصرف على أساس انها مسألة وقت قبل أن يحمل لقب «فخامة الرئيس»، معوّلاً على تأييد دولي متمثل بالولايات المتحدة وفرنسا، واقليمي متمثل بالسعودية، وداخلي متمثل بالحريري والرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط. وهو أبلغ دبلوماسيين وسياسيين وصحافيين التقاهم أخيراً أنها «قضية كم شهر» للتخلص من الـ «plan A» وفرض الـ «plan B» بعد أن تضيق كل الأطراف ذرعاً بالجمود الرئاسي.

طرح السفير البابوي على بكركي ترشيح خوري للخروج من معادلة «الأقطاب الأربعة»

ــــ حزب الله ملتزم بالوقوف وراء مرشحه، ويكتفي بلعب دور «المسهّل» للتواصل بين حلفائه ومحاولة تقريب وجهات النظر بينهم، من دون أن يعني ذلك أنه يقوم بدور الوسيط أو الضاغط على أي منهم.
ــــ سعد الحريري هو الطرف الوحيد المؤهل ــــ بضوء أخضر سعودي ــــ لايصال الملف الرئاسي الى خواتيمه. بعد تراجعه من ترشيح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الى طرح المرشح التوافقي، ثم الى ترشيح فرنجية، هناك شبه قناعة لدى كثيرين ــــ بينهم حزب الله ــــ بأنه قادر على القيام بخطوة إضافية في اتجاه عون.
ــــ الأميركيون غير مهتمين بالموضوع المحلي ويتعاملون مع الملف الرئاسي كـ «أزمة باردة» غير ذات أهمية ويمكنها الانتظار فيما أولويتهم، على أبواب انتخاباتهم الرئاسية، الأزمة السورية ومكافحة الارهاب.
ــــ الفرنسيون دقوا باب طهران أكثر من مرة وسمعوا جواباً واحداً: لن نتدخّل. وعليه، فترت حماستهم التي وصلت قبل ثلاثة أشهر الى حد اتصال الرئيس فرنسوا هولاند بفرنجية «مهنئاً»!
ــــ السعودية تريد تفادي اعطاء أثمان لحزب الله حالياً من دون مقابل لأسباب عدة، تبدأ من الصراع الداخلي على السلطة، ولا تنتهي بالاعتقاد المتجدد لدى الرياض، بالتعاون مع أنقرة، بامكانية إطاحة الرئيس بشار الاسد وقلب الأمور في سوريا مجدداً.
في ضوء معادلة «لا اهتمام من الخارج ولا قدرة من الداخل»، يراوح الملف الرئاسي مكانه. فيما الفاتيكان وحده يتحرك على خط الاتصالات أملاً في الوصول الى مخرج من الانسداد الرئاسي. وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن دوائر الكرسي الرسولي عادت الى الترويج لاسم سفير لبنان في الفاتيكان العميد المتقاعد جورج خوري مرشحاً رئاسياً. وقد طرح السفير البابوي في بيروت غبريال كاتشيا الأمر على بكركي أخيراً للخروج من معادلة «الأقطاب الأربعة» بعدما أخلّ هؤلاء بموافقتهم المسبقة على التنازل لأكثرهم حظاً.
وتقول مصادر دبلوماسية إن طرح خوري ينطلق من أنه قد يكون مرشحاً مقبولاً من الجميع، وتنقل عنه قوله «إنني أقرب الى كل الأطراف من أي مرشح آخر». فهو، بحسب المصادر، «أقام من خلال موقعه في الفاتيكان علاقات ودية مع الصرح البطريركي وأشاد به البطريرك الراعي علناً أكثر من مرة، وكان من بين الأسماء الأربعة المفضلين لدى بكركي»، الى جانب الوزراء السابقين زياد بارود وروجيه ديب ودميانوس قطار. كما أنه لا يثير ريبة حزب الله الذي تعامل معه سابقاً عندما كان على رأس مديرية المخابرات في الجيش اللبناني. ورغم أنه كان مرفوضاً سابقاً من جانب قوى 14 آذار لاتهامه بـ «التواطؤ مع سوريا وحزب الله»، كما ورد في إحدى وثائق «ويكيليكس» المنسوبة الى الحريري، وقد أُبعد بسبب ذلك سفيراً الى الفاتيكان، «إلا أنه يبقى أقل وطأة على 14 آذار من ترشيح الحريري لفرنجية. فخوري كان أثناء ترؤسه مديرية المخابرات أقرب الى 8 آذار، وهو فتح طريق حارة حريك أمام ميشال سليمان، لكنه لم يكن جزءاً عضوياً من هذا الفريق كما هي حال زعيم المردة».
قد يحلو لكثيرين السؤال: «كم دبابة يملك البابا؟»، في إشارة الى أن لا قدرة ضغط فعلية لدى الفاتيكان لفرض مرشح أو تعديل كفّة آخر. جواب المصادر: «بعدد الدبابات التي كان يملكها حسني مبارك عندما اقترح اسم ميشال سليمان للرئاسة عام 2008»!... من دون أن يعني ذلك أن هذا السيناريو يملك حظوظاً كبيرة، على الأقل في الوقت الحالي.