مُتعبة تصل جوسلين صعب (1948) الى موعد لقائنا. لا فريق عمل ضخماً للإشراف على مهرجان يستضيف 40 فيلماً تعرض في أربع مدن لبنانية (بيروت، صيدا، صور، وزحلة). تجلس وتتنفس كأنها آتية من معركة. تمسك برنامج المهرجان. ومع الحديث عن الفيلم الأول، تعود الطاقة، وتبدأ بالاستفاضة عن كل فيلم على حدة.

تزامن التحضير لمهرجان «المقاومة الثقافية» بدورته الثانية هذا العام، مع جولات طرابلس الأخيرة، بين الجيش ومسلّحين هذه المرّة، بعد سنين من المعارك بين أبناء المدينة الواحدة على خط التبانة/ جبل محسن. استثنيت قسراً عاصمة الشمال التي استضافت المهرجان عند انطلاقته الأولى العام الماضي.

تحاكي مواضيع الأفلام المشاركة هذا العام، جوانب من معاناة أو أحداث تشبه ما حصل ويحصل في لبنان. لو جمعنا قصص الأفلام المعروضة من مختلف البلدان المشاركة، نستطيع أن نكوّن صورة كاملة عن مشاكل ومآسي هذا البلد، كأن كل فيلم قطعة من مرآة تعكس صورة لبنان: حروب، ثورات، علاقات إنسانية، اختلاف، عنصرية، طائفية، مشاكل اجتماعية... خلال كلامها عن برنامج المهرجان، تستطرد جوسلين صعب، قائلةً: «ننسى أن لبنان ليس البلد الوحيد الذي يعاني على الكرة الأرضية».
تريد السينمائية اللبنانية نقل تجارب الغير عبر شاشة مهرجانها. تَجارب حَاول مخرجوها أن يبحثوا عن أجوبة للماضي والحاضر في بلادهم، بخاصة تلك البلاد التي شهدت حروباً أهلية، واستعماراً أو ثورات، وخصوصاً الأفلام التي تناقش «مرحلة ما بعد» أي ما بعد الثورة وما بعد الحرب وما بعد العاصفة.
في هذه الأعمال، حاول المخرجون أن يطرحوا أسئلة مشروعة عن أحداث ومحطات مضت، كما حاولوا استنباط أجوبة على الحاضر. ربما في طريقة مقاربتهم لما حصل في بلدهم وللشخصيات التي تدور حولها أحداث الأفلام، نستطيع أن نرى كيف يتعامل غيرنا مع مشاكله، على الأقلّ سينمائياً، وكيف تنفع الذاكرة واستحضار الماضي، في التأملّ والنقاش البنّاء ومواجهة الأخطاء، ومحاولة التئام الجراح بشكل لا يترك مجالاً لأن ينزف الجرح مجدداً عند كل مناسبة.
مذهولة تبدو مخرجة «دنيا» من حالة الحياد اللامنطقي أو النكران التي يحاول أن يعيشها الناس في لبنان. لا تنفع سياسة إغماض العينين أو التطنيش عما يجري. تقرّ بأن بعضهم قد يسخر من الحركة التي تقوم بها، لأنّه يئس من أي تغيير. تضيف أن المقاومة الثقافية أو الأعمال الفنية قد لا تغيّر شيئاً فعلياً في الواقع، لكنها خطوة صغيرة لفتح نافذة أمل ومحاولة حوار، فصالة السينما ومشاهدة فيلم تشبه أحداثه ما نعيشه، قد تجمع الناس حول نقاش يُنظر من خلاله الى تجربتنا عبر تجارب أخرى، ويحاول من اختبرها الافادة من عبرها.

مشاركة آسيوية لافتة،
وكل فيلم يعكس صورة مما يعانيه لبنان

الترحيب بالمهرجان خارج بيروت يعدّ أهم من تقديم الرعاية والتمويل. المهمّ استقباله بإيجابية، فمشاكل التمويل والدعم في هذا النوع من المهرجانات عنصر دائم الحضور. مدينتا صيدا وصور بعيدتان من الحركة السينمائية منذ سبعينيات وثمانينيات الحرب. في صيدا التي تحاول أن تنجو من مصير يشبه مصير طرابلس الأمني والاجتماعي، وتحاول استعادة وجهها الحقيقي، تشارك «جمعية المقاصد» في تنظيم المهرجان كما يساهم «نادي لكل الناس» في البرمجة.
تحدّ آخر يواجه مخرجة «لبنان في الدوّامة» يتمثّل في كيفية التوجّه الى الناس في المدن التي لا تنشط سينمائياً، ودعوتهم لمشاهدة الأعمال في ظلّ غياب الإعلانات والترويج بسبب ضعف التمويل أيضاً. وزّعت صعب الأفلام على المناطق وفق نوعية الأفلام ذاتها وموضوعاتها بهدف جذب أكبر عدد من الناس، خصوصاً أنّ الجمهور العريض يبتعد عادة من أفلام المهرجانات التي قد تكون معالجتها الفنية دقيقة وصعبة، أو قد تحاكي مواضيع قد لا يعتبرها ضمن اهتماماته.
تركت صعب الأفلام الدقيقة والحساسة بمواضيعها ومعالجتها الفنية لتعرض في مقهى «دواوين» (الجميزة) واختارت من الأفلام ما اعتبرت أنّه قد يشدّ جمهور صيدا وصور وزحلة لتكون ضمن برنامج العروض في هذه المناطق.
المهرجان الذي يتميز بمشاركة آسيوية لافتة هذا العام، يعرض أفلاماً روائية، ووثائقية وأفلاماً قصيرة من أوروبا وآسيا، مع مشاركة عربية تتمثل في تونس والجزائر ولبنان. ويخصّص خانة تحت عنوان Rebirth at 20 حيث تعرض أفلام قديمة، لا يزال مفيداً استحضار مواضيعها، منها وثائقي «فيديو كارتوغرافيا: عايدة فلسطين» (2009 ــ 14/11 في «دواوين» و«مسرح اسطنبولي» في صور) حيث تروي تيل روسكنز صراع أهل مخيّم عايدة (بيت لحم) مع الاحتلال من خلال رسوم وخرائط خطّوها بأنفسهم. كما يعرض وثائقي «أبساراس» (1989 ـ فرنسا ـ 16/11 في «دواوين») عن فرقة للرقص التقليدي الكمبودي، نجا أعضاؤها من مجزرة جماعية في كمبوديا، ووصلت الفرقة الى باريس لتنقل معها تراثها.

http://www.culturalresistance.org/#!programm-2014/cpd8




«المهرجان السينمائي الدولي للثقافة تقاوم»: بدءاً من 12 حتى 17 ت2 (نوفمبر) ـــ صيدا (غراند سينما)، صور (مسرح اسطنبولي)، بيروت («دواوين»، «متربوليس أمبير صوفيل»)، وزحلة (ستارغيت) ــ culturalresistance.org