قبل نحو عامين، كشفت الصدفة، على يد جهاز أمن الدولة، وجود كميات كبيرة من الغذاء الفاسد في مستودعات «الناطور». الاسم نفسه تكرّر قبل أيام على لسان الوزير أبو فاعور خلال مؤتمر صحافي كشف فيه عن أسماء بعض المطاعم والسوبرماركت التي تبيع مواد غذائية فاسدة. في الواقع، لا يسأل أحدٌ كيف يمكن أن يحصل ذلك في بلد فيه الحدّ الأدنى من القوانين، فهذا الاسم ليس إلا نموذجاً واحداً من مئات الأسماء التي ضُبطت في عام 2012 وسُطّرت بحقها محاضر ضبط ومخالفات أُحيلت من مديرية حماية المستهلك على القضاء المختص، لكنها نامت أو ألغيت أو أُهملت.


في كل الأحوال لم تصل الاجراءات المتخذة إلى حد إقفال أي مؤسسة ولا إلى فتح ملف أي تاجر، وهذا ما يعتبره البعض دليلاً على أن منظومة المصالح التي يتحدث عنها أبو فاعور هائلة ونافذة، ولا يُستبعد منها أيّ من القوى السياسية.
أين هي بداية هذه المنظومة وأين نهايتها؟ هل هم المستوردون كما حاول بعض الوزراء الإيحاء؟ أم أنهم تجار نصف الجملة أو بائعو التجزئة؟ أم هي مسارات النقل والتخزين ومعايير البيع والنظافة؟ هل هي مشكلة الكهرباء والمياه؟ هل هي مشكلة أكلاف الإنتاج المرتفعة؟ هل هي سهولة اللجوء إلى الرشوة لتحقيق الأرباح؟ أم مشكلة غياب الرقابة؟ من يحمي هذه المنظومة؟
المعروف أن لبنان يعتمد بنسبة 80% على الغذاء المستورد. ففي عام 2013 استورد لبنان أكثر من 200 ألف رأس بقر وغنم وخنزير بقيمة تزيد على 277 مليون دولار. والمعروف أيضاً أن تجار المواشي يعملون على تسمين هذه الحيوانات في مزارعهم، تمهيداً لذبحها في المسالخ وعند اللحامين، وبيعها للمستهلك. وبحسب دراسة أجرتها وزارة الزراعة قبل نحو سنتين، فإن هامش الربح يصل إلى 50% من سعر الاستيراد، أي إن حجم السوق يبلغ 415 مليون دولار.

685 مليون دولار
حجم سوق اللحوم والدواجن الطازجة والمبردة


كذلك، استورد لبنان نحو 35 ألف طن من اللحوم المبرّدة (بقر، غنم، دجاج، خنزير) على أنواعها الكاملة والمقطعة، بقيمة 160 مليون دولار. هذه اللحوم تدخل إلى لبنان مع مهلة محدّدة مسبقاً لتاريخ الصلاحية يجب ألا تتخطّى 84 يوماً يستنفد منها ما بين 40 يوماً و50 يوماً خلال فترة النقل من بلد المنشأ إلى لبنان (بحراً)، ويبقى أمام التجّار مهلة تتراوح بين 35 يوماً و45 يوماً لتصريفها قبل انتهاء الصلاحية... وهامش الربح في هذه السلع يتجاوز 50%، وقد يصل إلى 70%، أي إن حجم السوق يمكن أن يصل إلى 270 مليون دولار.
حجم السوق وأرباحه الهائلة تثيران القلق؛ فباستثناء منتجي الدجاج المحليين، يصل حجم سوق اللحوم الطازحة والمبردة إلى 685 مليون دولار، أكثر من نصفه هي أرباح للتجار والموزعين... وهذا الأمر كافٍ لإثارة الشكوك حول تنافسية هذا القطاع وآليات الرقابة فيه، ابتداءً من المعابر الحدودية وصولاً إلى المستهلك. لكن وزير الصحّة وائل أبو فاعور أبلغ العديد من المهتمين والمتابعين أنه لا يشكّ أبداً في أن شحنات المواشي واللحوم المبردة لا تدخل فاسدة إلى لبنان، بل هي تفسد بعد دخولها إلى لبنان. هذا يعني أن الرقابة يجب أن تركّز على كيفية نقل الشحنات وكيفية تخزينها وكيفية تقديمها إلى المستهلك، لا أن تركّز على التقديم فقط، رغم ضرورته وأهميته في الحفاظ على سلامتها. فعلى سبيل المثال، إن مستوردي المواشي هم قلّة تتحكّم في السوق وترفض إدخال أي منافس جديد. أما لجهة مستوردي اللحوم والدواجن المبردة، فهناك اثنان من كبار التجار يستحوذان على حصّة سوقية تبلغ 70%، فيما الباقون هم مستوردون صغار. تجار نصف الجملة يشترون من التجار الكبار، أما الكميات التي يسوقها التجار، سواء كانوا جملة أو نصف جملة أو تجزئة، فهي لا تقتصر على تقديم الكميات على شكلها الأولي، بل تقطّع ويضاف إليها مواد حافظة وصلصات ونكهات شتى، وتتعرّض لفك التبريد وإعادة التبريد وتوضع في برادات تتغذى بالكهرباء من الدولة فقط تهرّباً من كلفة المولدت الخاصة... ثم يجري غسلها بالمياه التي تقدمها مؤسسات المياه التي لم تعد تستثمر أي مبالغ في صيانة الشبكات وتجديدها والتأكد من جودة المياه الموزّعة إلى المنازل والمؤسسات، بل تضخ أموالها رواتب لمستشارين لدى الوزراء، رغم أن شبكاتها تهرّب ما بين 40% و60% من المياه وتختلط بمياه المجارير.
الوزير أبو فاعور لم يقدّم الإجابة الشافية لما يحصل ضمن هذه المنظومة، علماً بأن صلاحيات وزارة الصحة في هذا المجال واسعة، إضافة إلى صلاحيات باقي الوزارات. فعلى الرغم من أن هناك عشرات الشحنات من اللحوم الحية والمبردة والمجلّدة التي تعاد إلى بلاد المنشأ بسبب مخالفتها للمواصفات، يفاخر بعض التجّار بقدرتهم على إدخال كميات إلى لبنان تنتهي فترة صلاحيتها خلال أيام... وفي الفترة الأخيرة تمكن أحد مستوردي السكّر من إدخال كميات غير مطابقة للمواصفات، وقد ادّعى تكريرها، رغم أن المصنع الذي يملكه صغير جداً وصدئ من قلّة الاستعمال. ويقول المطلعون إن التنافس بين «تجار الفروج» ومنتجي الدجاج المحليين لم يتوقف يوماً ولم يؤدّ إلى خفض الأسعار، فكيف يتنافسون؟
في بعض الصالونات يقال إن وزارة الصحة لا تراقب أوساخ المستشفيات التي تُرمى في مجاري الأنهر وهي تعج بالمسرطنات، ويقال إن كبار التجّار يطفئون الكهرباء عن برادات التخزين ليلاً للتخفيف من الأكلاف، وإن البلديات لا تقوم بواجباتها لمراقبة الملاحم التي لا تستوفي المعايير والشروط الصحية في غالبية المناطق اللبنانية، وإن المنتجين المحليين لا يتركون وسيلة لخفض أكلافهم إلا يقومون بها، حتى لو كان الأمر على حساب الجودة، وخصوصاً أولئك الذين لا يصدرون إنتاجهم إلى دول فيها رقابة جدية على المنتجات المستوردة.
من يحمي الفاسدين وبائعي الغذاء الفاسد؟ هل هم بضعة تجار أو مطاعم شهّر بهم أبو فاعور، أم هم «كبار القوم»، سواء كانوا تجاراً أو منتجين محليين أو سياسيين أو كبار موظفي الدولة الذين لا يجرؤ أحد على التشهير بهم؟




مخاطر البكتيريا تراكمية

يشرح النائب السابق، رئيس اللجنة الصحية الوطنية، اسماعيل سكرية أن معظم «البكتيريات» ترافقها عوارض عابرة مثل القيء والإسهال فتُدرج الإصابة بها، ضمن حالة التسمم العرضي التي يجري استشفاؤها، وبالتالي تصبح القدرة على التمييز بين حالة التسمم العادية والإصابة بهذه البكتيريات أمرا صعباً. ويعزو سكرية السبب في هذا «الالتباس» إلى غياب التقارير الجدية التي تفسّر حالات التسمم الحاصلة، فضلا عن انعدام الدراسات المتعمّقة في هذا المجال. أهمية «رصد» هذه البكتيريات تكمن في أنها تمثل خطراً تراكمياً في ما بعد، حتى ولو لم تحدث ضرراً حالياً.
توضح رئيسة دائرة الترصد الوبائي ندى غصن أن السالمونيلا تأتي في مقدمة الجراثيم المسببة للتسمم، وهناك الشيغيلا والإيكولي بنسبة أقل، فيما مصدر التسمم يكمن في الدجاج واللحمة، ولا سيما النيئة منها.
يميز الطبيب المختص بالأمراض الداخلية محمد شهاب الدين بين السم الناتج عن بكتيريا السالمونيلا الذي لا يتطلب في كثير من الأحيان علاجاً بالمضادات الحيوية، لكون مخاطره محدودة ويتركز في القشطة والجبنة والكريما واللحمة المفرومة، والبكتيريا نفسها (السامونيلا تي في) التي تسبب حمى التيفوئد.
يلفت رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو إلى أن بعض التقارير الصحية المتعلّقة بالمياه المنزلية تظهر وجود بعض البكتيريات الموجودة في الأمعاء من ضمنها الـescherichia coli والـtotal coliform التي تتسبب بحالات تسمم، موضحاً أن تناول الخضار المروية بهذه المياه يؤدي إلى أمراض سرطانية، فضلا عن مخاطر تلف الدماغ وخفض الخصوبة على المدى المباشر والمدى البعيد.