منيت محاولات ضبط قطاع الغذاء في لبنان بـ«فشل ذريع»، فلا تزال مسودة مشروع قانون سلامة الغذاء الذي يُفترض أن ينظم كل القطاعات الغذائية (الصناعات والاستيراد والتخزين والنقل ومحال البيع والمطاعم) عالقة في مجلس النواب منذ عام 2005، إذ «تقف معظم القوى السياسية ضد القانون»، مراعاة لـ»مصالح مالية هائلة»، بحسب رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو.


يفرض القانون منع استيراد الأغذية التي اقتربت مدة صلاحيتها من النفاد، ويفرض رصد المواد الفاسدة وإتلافها، فيمنع التجار من تحقيق «أرباح هائلة»: «نتحدث عن (شطب) ثلث أرباح التجار في القطاع البالغة قيمته ما بين 7 و9 مليارات دولار في السنة في حال تم ضبطه»، يقول برو، لافتاً الى أنه لم يصدر من مراسيم تطبيق قانون حماية المستهلك منذ صدوره عام 2005 سوى مرسوم واحد يتعلق بضبط جمعيات حماية المستهلك ومراقبتها! وفي مفارقة صارخة، تسعى «الدولة» إلى ضبط الجمعيات تلك، فيما تترك السوق «مفتوحاً، من دون أي رقابة، أمام كل المواد المشكوك بتركيبتها» وآثارها الصحية، ومنها المواد المعدلة وراثياً والمنتهية الصلاحية والملونات والمواد الحافظة، يقول برو، موضحاً أن «الرقابة آخر السلسلة»، وأن الأساس وضع قوانين وآليات متكاملة تنظم عمليات الاستيراد والتصنيع والنقل والتبريد والحفظ والبيع، ليصبح فحص المواد في السوق الإجراء الأخير في «سلسلة متكاملة».
ارتفعت حالات الإصابة بالسرطانيات في لبنان من 7 آلاف عام 2007 إلى 10 آلاف عام 2011، ربطاً بتدهور نوعية الغذاء وتلوث البيئة وتغير نمط حياة الناس (زيادة الخمول البدني)، يقول برو، موضحاً أن حالة لبنان لا تشذ عن حالة دول شرق المتوسط، التي هي «الأولى» في حصتها من الأمراض غير السارية (سرطانيات، سكري، ضغط، سمنة، إلخ) في العالم، وفيها أكثر من نصف الأمراض السارية وحوالى 50% ممن يحتاجون الى خدمات الطوارئ الصحية (فيها العدد الأكبر من اللاجئين) على مستوى العالم أيضاً. تنحو هذه المؤشرات إلى المزيد من التدهور، حيث لا حروب وتهجير وتدميراً للبنى التحتية الصحية، «لا إرادة سياسية لتأمين حاجات الناس الصحية»، حتى في الدول الغنية؛ والاستنتاج الأخير جاء خلاصة النقاشات حول التقرير السنوي لإقليم شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية، بحسب برو الذي حضر المؤتمر الذي عقدته المنظمة في تونس أواخر الشهر الماضي.
«هناك أموال وفساد وأنظمة تمارس السلطة ولا تمارس واجبات الدولة بمفهومها الحديث»، فتهمل تأمين الخدمات العامة الأساسية، «فتغيب أي سياسات صحية عن مجمل دول الإقليم»، يقول برو، مضيفاً إنه يندر وجود قانون لسلامة الغذاء في معظم دول المنطقة، وإنه حيث توجد قوانين مشابهة، تُطبق بشكل انتقائي وغير فاعل، أو لا تُطبق على الإطلاق، تبعاً لمصالح النخبة السياسية المتحكمة؛ وحين يتم الإنجاز، يكون بكلفة عالية جداً، ولخدمة مصالح العائلات الحاكمة ومن يدور في فلكها، يضيف برو.
كان من خلاصات النقاشات في المؤتمر المذكور أن المشكلة الأساسية التي تحول دون بناء النظم الصحية وتحقيق التغطية الصحية الشاملة ليس نقص التمويل، إنما الإرادة السياسية والإدارة والتنظيم الجيدين، يقول برو، مستشهداً بنقاش دار في المؤتمر، حيث تحدث مندوب إحدى الدول الخليجية (التي لم تَبنِ أنظمة صحية شاملة) عن توافر الاحتياجات المالية للمشاريع الصحية، قائلاً إن «الصندوق الذي يحتاج الى 10 نعطيه 100 (وحدات من المال)»، ليجيب أحد مسؤولي منظمة الصحة العالمية بأن المشكلة ليست مادية، بدليل تجربة نيجيريا التي أعلنت خلال المؤتمر خلوها من الإيبولا، رغم ضعف إمكاناتها المادية، بفضل الإرادة والإدارة الجيدة، وبكلفة منخفضة.