لو كان حميد اسكندر أحد الضباط المقربين من إحدى القوى السياسية لكان ملفه على كل شفّة ولسان منذ بضعة أشهر. لو كان اسمه شامل روكز، مثلاً، لبدأت نشرات الأخبار بقضيته، ولتظاهر من أجله الآلاف، وعقدت لدعمه المؤتمرات. غير أنه مجرد ضابط آثر التعويل على القوانين الوظيفية وعدم مشاطرة أي حزب أو زعيم ولاءه المطلق لمؤسسته. وحاله في هذا من حال بعض موظفي القطاع العام الذين بدأوا يتحلّون بالجرأة المطلوبة لمحاولة التصدي لإخلال مسؤوليهم بالقوانين. وهذه الجرأة يمكن أن توجه ضربات موجعة الى منظومة الفساد.
التسلسل القانوني في ملف اسكندر مهم. إلا أن الأهم هو تجرؤ موظف في المؤسسة العسكرية على الطعن لدى المراجع القضائية المعنية في شرعية موظف أعلى رتبة منه، متحملاً مسبقاً كل التداعيات التي يمكن أن تنتج عن خطوته هذه، خصوصاً أن الموظف الأعلى رتبة لن يتحلى بالروح الرياضية ولن يدع الأمور تأخذ مجراها القانونيّ من دون أي تدخل منه. فالرئيس ــــ على كل المستويات ــــ أكثر نفوذاً من مرؤوسه وله قدرة مباشرة على التأثير في وظيفة الأخير ومصدر عيشه الوحيد. والقضية بعد التمديد لقائد الجيش، لم تعد تتعلق بالخلافات والمزايدات السياسية، وإنما بقانونية التمديد أو عدمه. علماً أن لا مبالاة كل القوى السياسية بمصير الشكوى أمام مجلس شورى الدولة تظهر أن الأمر لم يكن يتعلق، كالعادة، بأي مبادئ إنما مجرد مزايدة سياسية. وهكذا يقف مجلس شورى الدولة منذ أكثر من شهرين أمام مفترق طرق: إما يلحق بالمجلس الدستوري الذي أسقطه التمديد الثاني للمجلس النيابي أو يقول لكل الموظفين إنه ــــ لا المنابر السياسية ولا البرامج التلفزيونية ــــ المكان الصالح لأخذ حقهم.

منذ تقدم اسكندر بشكواه يكاد لا يمر يوم من دون أن يواجه تدبيراً تأديبياً

التفاصيل تشير إلى طلب اسكندر، ضمن المهل الزمنية، من مجلس شورى الدولة إبطال قرار وزير الدفاع المتعلق بتأجيل تسريح قائد الجيش، في وقت كانت تسوية التمديد تضع حداً للمزايدات بهذا الشأن. ويشرح اسكندر في دعواه أنه حاز أكاديمياً دكتوراه في علوم الإعلام والتواصل من جامعة باريس الثانية وماجستير في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب الدولي من جامعة الدفاع الوطني في واشنطن حيث صنف أولاً بمعدل 95/100، إضافة إلى دبلوم دراسات عليا في العلوم السياسية، وماجستير فيزياء، وإجازة في الصحافة من الجامعة اللبنانية. أما عسكرياً فيتجاوز عدد الدورات التي انخرط فيها في ضبط الحدود وإدارة المشاريع الكبرى والتخطيط الاستراتيجي وغيره العشرين، تضاف إليها ثلاث دزدينات من التهاني والتنويهات والأوسمة. وهو حين رقي عام 2010 إلى رتبة عميد ركن عام بات ــــ في اعتقاده ــــ واحداً ممن سيُختار من بينهم عماد جديد للجيش. إلا أن طموحه اصطدم، وفق شكوى محاميه ميشال حنوش، بوزير الدفاع سمير مقبل الذي منعه من التقدم أكثر. فهو يبلغ سن التقاعد في 1/7/2016، فيما تستمر مفاعيل التمديد حتى 30/9/2016. وإلى جانب كونه متضرراً من القرار، أشار المحامي في شكواه إلى عدم نشر قرار التمديد في الجريدة الرسمية على نحو يفقده النفاذ والتنفيذ، بحكم نص القانون على أن "القوانين والمراسيم تصبح مرعية الإجراء في اليوم الثامن الذي يلي نشرها في الجريدة الرسمية". أما الأهم، فهو إخراج اسكندر النقاش حول التمديد لقائد الجيش من البازار السياسي المفتوح إلى المواد القانونية. وتشير الشكوى في هذا السياق إلى أن حق وزير الدفاع ــــ وفق المادة 55 من قانون الدفاع ــــ بتأجيل تسريح أحد الضباط محكوم بمجموعة شروط، لا تقدير الوزير أو رأيه. والشروط هي: 1. أن يكون البلد في حالة حرب. 2. إعلان حال الطوارئ. 3. أن يكلف الجيش الحفاظ على الأمن، وفق مرسوم يضع جميع القوى المسلحة تحت أمرة قائد الجيش، وهو الأمر الذي لم يحصل منذ عام 1996. وبالتالي فإن شروط المادة 55 لتأجيل التسريح لم تتأمن. أما الأسوأ في قرار التمديد، من وجهة النظر القانونية، فهو استناد مقبل في تبريره التمديد إلى طلب قهوجي نفسه. ففي هذا الأمر مخالفة قانونية مفضوحة لقاعدة "جلب المنفعة لشخصه". واللافت في قرار التمديد، بحسب الشكوى، أنه يؤجل تسريح قهوجي لكنه لا ينص أبداً على إبقائه قائداً للجيش. علماً أن حجة "خطر الفراغ" ساقطة في السياق القانوني بحكم نص المادة 21 من قانون الدفاع الوطني على أن "ينوب رئيس الأركان عن قائد الجيش في حال غيابه وممارسة مهامه وصلاحياته طيلة فترة غيابه".
بدورها، لم تكتف وزارة الدفاع التي تتعاون مع أكبر مكاتب المحاماة في البلد بموجب عقود خيالية بتوفير الرد القانونيّ. إذ يكاد لا يمر يوم، منذ تقدم اسكدر بشكواه، إلا ويواجه تدبيراً جديداً. فتارة ينقل مكان خدمته من اليرزة إلى الشمال، وتارة يُستدعى إلى مكاتب الاستخبارات ليوقف ساعات في كوريدور التحقيق، ويحقق معه ضابط أقل مرتبة منه، أو تسحب السيارات المخصصة له منه، أو يسحب مرافقوه، وغير ذلك من التدابير التأديبية. فالمطلوب في مختلف الإدارات موظفون مؤدبون لا يعرفون حقوقهم ولا يجرؤون على المطالبة بها في حال تعرفهم إليها ولا يفكرون بتنظيم علاقتهم بمسؤوليهم وفق المعيار القانوني بدل التزلف للسياسيين واسترضاء مسؤوليهم ومقايضة طموحهم ببعض الفتات.