نشرت مؤسسة «Sure Money» على موقعها الالكتروني، دراسة موجّهة للمستثمرين تحذّر من تداعيات أزمة «دويتشه بنك» بعنوان «المصرف الذي سيفجّر العالم». تشير الدراسة إلى ان "دويتشه بنك" هو الممول الأكبر للأدوات المالية المركبة التي فجّرت الأزمة العالمية في 2008، إذ يحمل المصرف نحو 54 تريليون يورو (60 تريليون دولار) من هذه الأدوات المالية المتداولة خارج الردهة، أو ما يعرف بالسوق الثانوية. هذا الحمل أكبر من الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي، وهو يمثل أحد أكبر المخاطر على المؤسسات المالية في العالم.
تضاف إلى هذه المخاطر المرتفعة لدى «دويتشه بنك»، مشاكل إدارية وتشغيلية وتنظيمية. كلّها ظهرت إلى العلن في تموز 2014 عندما كشفت «وول ستريت جورنال» أن البنك الفدرالي في نيويورك أبدى قلقه من هذا المصرف، الذي أظهر «مؤشرات ضعف ملحوظة في البنية التنظيمية وآليات عمله...».
في الإطار نفسه، نشر المتخصص بالشؤون المالية ماكس كيزر، على الموقع الالكتروني الذي يديره «RT»، مقالاً بعنوان «أوضاع دويتشه بنك متعثّرة تقنياً». ويشير الكيزر إلى أن المصرف يضع نفسه على مسار يعرف بـ«بونزي سكيم»، أي انه يستدين ليدفع ديونه، ثم تكبر الفوائد عليه فيستدين مجدداً ليدفع ديوناً أكبر وهكذا دواليك. وانتقد كيزر تصريحات وزير المال الألماني، ولفغانغ شويبله، الذي صرّح قبل أيام (إلى جانب الرئيس التنفيذي لدويتشه بنك جون كراين) بأن وضع المصرف «قوي كالصخر»، واشار كيزر إلى أن تقلص ميزانية هذا المصرف ستحتّم عليه عاجلاً أم آجلاً، أن يقرّ بتعثّره وأن يقول «يجب أن نحصل على خطة إنقاذ هائلة أو علينا الإغلاق».
في الواقع، فإن عبارة وزير المال الالماني استقطبت انتقادات واسعة، إذ قال احد المحللين إن كراين كان يعمل 72 ساعة لتهدئة المخاوف الناجمة عن أوضاعه المالية المضطربة بعد تدهور دراماتيكي في سعر سهم «دويتشه بنك»، اذ هوى بنسبة 30% في أول ستة أسابيع من السنة الجارية، ثم بلغت 40% قبل أن يعوّض بعضاً من هذا التراجع ويرتفع 10%. وسأل كريستوفر ميلر المحلل في «This Is money» البريطانية: هل نحن على عتبة أزمة مصرفية جديدة؟».
ودويتشه بنك يعدّ من أكبر المصارف. اهميته لا تكمن حصراً في نجاته من أزمة 2008 بلا خطة إنقاذ، بل تعود إلى دوره المحوري في تغذية صعود المانيا وتمويل صناعتها، وبحسب رئيس المدرسة الأوروبية للإدارة والتكنولوجيا في برلين جوي روتشول فإنه «ليس هناك مصرف يؤدي دوراً مركزياً كالذي أداه دويتشه بنك في ألمانيا».

مصرفيون لبنانيون: لا خطر على ودائعنا في دويتشه بنك إلا إذا أفلس

إذاً، إلى أي مستوى انحدرت أزمة «دويتشه بنك»؟ التقارير الواردة من اوروبا وأميركا وبريطانيا، تشير إلى ان دويتشه بنك سجّل خسائر في رأس ماله بقيمة 6.8 مليارات دولار في السنة الماضية. وقد فرض هذا الوضع على المصرف الألماني، اللجوء إلى بيع بعض من أصوله لتعويض هذه الخسارة، فلجأ ضمن خطّة لدعم رأس ماله، إلى بيع حصّته في بنك «هواشيا» الصيني والبالغة 20% من الاسهم، بقيمة 4 مليارات دولار. الشاري كان شركة «بي أي سي سي بروبرتي أند كاجولتي» الصينية.
كذلك، عمد دويتشه بنك إلى إعادة هيكلة إدارية وأعلن عزمه على تقليص عدد موظفيه والاستغناء عن 15 الف وظيفة، وإغلاق 200 فرع حول العالم من أصل 750 فرعاً منتشرة في بلدان مختلفة ضمن خطّة للإنسحاب من 7 اسواق أجنبية على الأقل، فضلاً عن اللجوء إلى بيع بعض من الاصول التي يملكها لتعويض الخسائر التي طاولت رأس ماله مباشرة برغم أنها لم تؤثّر على سيولته.
هذا يعني أن المشكلة ليس مشكلة سيولة، بل مشكلة انخراط المصرف في تمويل الأدوات المالية المركبة. بعض الخبراء يعزون سبب الخسائر إلى انكشاف المصرف على الصين، وبعضهم يضيف إلى ذلك حجم الاستحقاقات المالية للمصرف التي تبلغ 54 مليار يورو على المدى القصير، لكن دراسة Sure Money تقول إن الأمر يعود إلى اتساع الفجوة بين نمو الاقتصاد العالمي ومعدلات نمو الديون. الاقتصاد العالمي لم يعد ينمو بمعدلات كافية للحاق بسرعة نمو الديون، فأصبح الفارق بينهما كبيراً، وبالتالي لم يعد يأمل الاقتصاد التقاط أنفاسه وتوليد دخل كاف لسداد الفوائد أو أصل الدين.
في هذه اللحظة بالذات، ليست مهمة أسباب هذه الازمة واحتمال انفجارها، إلا بمقدار ما يتعلق الامر بطرق معالجتها. ففي أزمة 2008، كانت المعالجة ضمن خطط انقاذية متشابهة في المضمون ومختلفة في الشكل. بعض الدول اشترت الأصول المسمومة، وبعضها الاخر قرّر أن يلجأ إلى ضخّ الأموال في رؤوس اموال المصارف والمؤسسات المالية والتأمين المفلسة. أما اليوم، فالخبراء يقولون أن الأمر أكبر بكثير مما كان عليه عام 2008، إذ يقول جيم ويلي من «سيلفر دكتورز»، إن سقوط دويتشه بنك مشابه لسقوط «ليمان براذرز» مضاعفاً بخمس مرات. يعتقد ويلي ان سوق السندات أصبح بمثابة «الثقب الأسود».
هذا الثقب سحب اسهم المصارف الكبرى في العالم وكبّدها خسائر ضخمة تعد بمليارات الدولارات. نوع الخسائر هو التدني في رأس المال بسبب انخفاض اسعار الاسهم بطريقة دراماتيكية. كبرى المصارف العالمية بدأت تتحسّب لهذا الوضع، فقد انخفضت أسعار أسهم باركليز، وكريدي سويس وسيتي بنك ويو بي أس وكري أغريكول وسواها... اللائحة تطول والتراجع في اسعار اسهم المصارف لا يقل عن 10% وقد يتجاوز 40%. كل هذه المصارف ستلجأ إلى بيع أصولها أو زيادة رؤوس أموالها لتعويض هذه الخسائر، لكن إلى أي مدى يمكنها تعويض المبالغ التي تتبخّر من رؤوس أموالها؟
لا يمكن أحداً تقدير قدرة القطاع المصرفي على التحمّل، إلا ان التحذيرات المتداولة في الأسواق العالمية تشير إلى احتمال انفجار أزمة تضرب النظام المصرفي العالمي بكامله. فما هو الأثر الذي ستتركه أزمة من هذا النوع على لبنان؟
محلياً، يرى المصرفيون إنه لم يثبت بعد أن أزمة دويتشه بنك بنيوية. بعضهم يشير إلى أن الأزمة سببها انعكاسات الاسواق العالمية على هذا المصرف، وليس هو السبب. وهؤلاء يعتقدون أن الازمة لا تطاول المصارف اللبنانية ومصرف لبنان الذين لديهم ودائع لدى «دويتشه بنك»، علماً بأن هناك قلّة من المصارف تحمل اسهم دويتشه بنك في محافظها لتجارة الاسهم، وهي غالباً ما تكون أسهما لحساب الزبائن لا من اموالها الخاصة.
في رأي بعض المصرفيين في لبنان، أن من المبكر جداً الحديث عن الأزمة بالمعنى الواسع «ولا خطر على ودائعنا في دويتشه بنك، إلا إذا أفلس هذا المصرف. عندها فقط سنكون أمام مشكلة. لكننا لسنا متشائمين، فهذا المصرف لديه أصول كبيرة جداً تغطّي التدني في رأس المال، ويحمل كمية كبيرة من سندات اسمها (كوكو بوند) التي يمكنه تحويلها إلى رأس المال مباشرة. هذا النوع من السندات فرض على المصارف أن تقوم بها تحسباً لأزمات كهذه، وبالتالي فإن رأس المال محمي».
في المقابل، يهمس بعض المصرفيين، بأن عجز «دويتشه بنك» عن دفع الاستحقاقات قد يولّد مشكلة كبيرة في لبنان نظراً إلى حجم الترابط بين المصارف اللبنانية ومصرف لبنان من جهة، و«دويتشه بنك». فالمصارف في لبنان تضع قسماً من سيولتها ومن احتياطاتها بالعملات الأجنبية لدى دويتشه بنك، وبالتالي فإنها توظّفها لآجال بسيطة ومتوسطة وتستعملها في أوقات الأزمات، فإذا سجّل دويتشه بنك عجزاً عن الدفع مهما تكن نسبته، فإنه يؤثّر سلباً على قدرة لبنان على استعمال احتياطاته. وما عدا ذلك، فإن أزمة دويتشه بنك قد تكون على شاكلة أزمة 2008 التي أدّت إلى خفض الفوائد على الودائع في المصارف العالمية ودفعت بقسم منها نحو لبنان، الذي يترك هامشاً كبيراً بين الفوائد العالمية التي لا تتجاوز ربع في المئة، والفوائد التي يدفعها على ودائع المصارف، والتي تبلغ 3.5% على الدولار (متوسط الفائدة المثقلة).




17 دولاراً

هو سعر سهم دويتشه بنك في تعاملات أمس في السوق العالمية. سعر هذا السهم كان يبلغ قبل نحو سنة 32 دولاراً، وقد تمكن المصرف من الحفاظ على هذا المستوى من السعر خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2015، لكن مخاطره المرتفعة في السوق والكلام حول أوضاعه التي ازدادت سوءاً دفع سعر السهم نزولاً من 35 دولاراً في تموز 2015 إلى 24.5 دولاراً في نهاية 2015، واستمرّ التراجع على وقع الخسائر التي تكبدّها المصرف وأقرّ بها رسمياً في بياناته المالية، إلى أن بلغ 17 دولاراً، أي أقل بنسبة 46% من السعر الذي كان رائجاً في شباط 2014.