دمشق | تحضر سوريا في «مهرجان دبي» من خلال ثلاثة أفلام ليس من بينها فيلم من إنتاج رسمي. الوثائقيان «من غرفتي السورية» (2014، 70 د.) لحازم الحموي، و«روشميا» (2014، 70 د.) لسليم أبو جبل ينافسان على جائزة «المهر الطويل»، فيما يُعرض «مسكون» (2014، 117 د.) للواء يازجي ضمن «ليال عربيّة». الجرح السوري بطل فيلمي الحموي ويازجي، فيما تزيد التغريبة الفلسطينية الوجع في فيلم أبو جبل المولود في الجولان المحتل (هذا سبب إشراك سوريا في تصنيفه). المكان مفهوم مشترك بين الثلاثة. النزوح والترحال والاعتقال تعني الخسران والتغيير في الروح والهويّة والنظرة إلى الذات.


حازم الحموي (1980) واضح ومباشر في «من غرفتي السورية» (العرض الدولي الأول). ينطلق من لحظات الحراك السوري، ليطلق النار على ثقافة الخوف والقمع وتغييب الحريّات في البلاد على مدى عقود. يستعيد لحظات من طفولة معلّبة ضمن شعارات عقائدية في افتتاح يذكّر بـ «طوفان في بلاد البعث» (2003) للراحل عمر أميرلاي. رسمه الكاريكاتوري للرئيس الراحل حافظ الأسد، يودي به إلى لحظات مرعبة في الحافلة خلال أعوام دراسة الفنون الجميلة. يلتقي بمعتقلين سياسيين سابقين وناشطين وصحافيين، ليوثّق مراحل الحرب السوريّة وآراء معايشيها وذكرياتهم القريبة والبعيدة. بعضهم يظهر بوجه مقنّع خوفاً من التبعات، فيما لا يتوانى آخرون عن المكاشفة. المخرج الذي تابع دراسة النقد في دمشق والسينما في عمّان، يفيد من كل مكتسباته في الأفلمة. عادة حمل الكاميرا بشكل دائم مفيدة في التقاط تفاصيل نادرة لحظة وقوعها. يخرج رسوماته بعد أعوام من الإخفاء كمعادلات بصريّة متحرّكة لما يتمّ الحديث عنه (تحريك راؤول غاربو، توليف فلورنس جاك). بخفة، يلتقط عيّنات من يوميات الحرب. كوادر غير معتادة تحسب له. يروي بصوته بعض الأحداث، ويعلّق على بعضها الآخر. يهاجم توريث السلطة من دون تورية. غرفته هي الملجأ للحديث عمّا لا يمكن البوح به خارجها. المكان حاضر بقوّة في أفلام الحموي السابقة أيضاً.

حازم الحموي يطلق النار على ثقافة القمع والخوف


الحيوانات معادلات حيّة كذلك. سلحفاته البطيئة المترهلة التي تصبح عاجزةً تماماً عند قلبها على ظهرها. عين السمكة والأرانب المحتجزة في أقفاص معدنية. رموز تحيل على «صندوق الدنيا» (2002) لأسامة محمد، في تأثّر آخر بالمحترف السينمائي السوري. في المقابل، يقع الفيلم في شرك التنظير في بعض مفاصله. ينتقد الشعاراتية فيما يسقط فيها أحياناً. بعض الدقائق مفرودة للتحليل السياسي والتلقين المباشر. هذا مؤثّر، بل مخرّب، لحساسية الخطاب الفني. يقول الحموي لـ «الأخبار» إنّ هدفه الأهم تحريض حوار بين السوريين بمختلف توجهاتهم. في باكورتها «مسكون» (العرض الأول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، تتناول لواء يازجي (1977) المأساة السورية من منظور إنساني لا يبتعد عن المكان. علاقة السوريين ببيوتهم وأغراضهم وأثاثهم في حرب مستعرة طالت الجميع. «هل نبقى أم نرحل؟». يُطرح السؤال القاسي لترتدّ إجابات متباينة من شخصيات الشريط. حسين يقرر العودة إلى الجولان المحتل بعد إمضاء معظم حياته في دمشق. هجر البيت نهائي هنا. فراس يقرر البقاء لحراسة أغراضه وذكرياته. الشاب حزم حياته كلها في صناديق مترقباً الأسوأ. بينهما عبود ورفيدة المحاصران في بيتهما قسراً. ها هو وائل يعود إلى المنزل المدمّر بعدما هدأت المعارك في منطقته. بعضهم يغادر إلى دكان في بيروت أو إلى آثار منسية في ريف إدلب. حياة بائسة تغيّر صاحبها إلى الأبد. تقول يازجي لـ «الأخبار» إنّ التوليف (كارين ضومط) استغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى النسخة النهائية. العمليات الفنية ما بعد التصوير ضرورية لتعويض قلّة الإمكانات المتاحة في بعض الأماكن. تقنيات التواصل الاجتماعي حاضرة كذلك. اليوتيوب لتفقّد البيت المهجور ومعاينة مقدار الدمار. السكايب للحديث مع الزوجين المحاصرين في أيّ وقت. نتذكّر هنا «ماء الفضة» (2014) لأسامة محمد وسيماف وئام بدرخان. الروح الساخرة رغم القهر تعزّز الإنساني والحميمي في الفيلم.
في «روشميا» سليم أبو جبل (1971)، نتابع قصة واحدة عن المكان والهويّة والوطن (العرض العالمي الأول). يوسف وزوجته عجوزان يسكنان «براكيّة» في وادي روشميا على أطراف حيفا منذ نزوحهما القديم إثر هزيمة 1948. يمضيان حياة رتيبة هادئة، فهما آخر سكّان الوادي. بعد سنوات، تقرّر بلدية حيفا شق شارع يصل إلى أحياء جبل الكرمل، ما يعني هدم كوخ الزوجين، وإجبارهما على العثور على منزل جديد. عوني الذي يقوم برعايتهما، يقرّر الحصول على تعويضات من البلدية. هذا الصراع الداخلي والمناخ المتوتر بين الثلاثة يطرح أسئلة وجودية وصعبة. لا فرح أو نهايات سعيدة في كل ما يتعلّق بسوريا هذه الأيام. بنظرة أوسع، يبدو أنّ هذه المنطقة من العالم ستبقى ملعونة إلى أجل غير مسمّى.