لم تكفِ المحاولة الأولى، المزدوجة والمتناسقة، التي قادها الإعلام السعودي والإسرائيلي، لتخريب خطوة جديدة تجريها حركة «حماس» منذ أسابيع، هدفها التوصل إلى صيغة «مشاركة» جديدة مع طهران. صحيح أن وفد الحركة الحالي هو جزء من وفود فلسطينية مشاركة في تهنئة الجمهورية الإسلامية في ذكرى انطلاقتها، ولكن جدول أعماله مختلف ومزدحم. وبينما يجري أسامة حمدان وقياديون آخرون في «المكتب السياسي»، حوارات مكثفة في إيران، كان موسى أبو مرزوق يعمل على الأمر نفسه من بيروت، في حين أنه منذ اللحظة الأولى لتوارد أنباء عن لقاءات سيعقدها الأخير في لبنان، بادرت صحيفة «الشرق الأوسط»، ومعها موقع «المصدر» الإسرائيلي إلى نشر تسجيل لأبو مرزوق، كان ينتقد فيه إيران «بصورة لاذعة».
اعتمدت الهجمة على تسريب لأبو مرزوق وقضية إعدام اشتيوي

«المكافأة» السعودية لكل محاولات التودد من «حماس» إلى الرياض على مدار عام من تولي سلمان الحكم، لم تكن كافية لمنع الإيرانيين. بل رأى قادة الحرس الثوري أن الرد على ذلك يكون بمواصلة اللقاءات وبحث ما يمكن الاتفاق عليه. كذلك رد أبو مرزوق نفسه بكيل المديح مجدداً لإيران ودورها المتقدم في «دعم القضية الفلسطينية». ولم يخل ذلك من عتب داخلي في «حماس»، على ما ورد في التسريب، الذي تؤكد مصادر في الحركة أنه لم يكن مكالمة مسجلة كما أوحى بذلك السعوديون، بل في لقاء مغلق، وبعبارة أخرى: ثمة «حركةُ غدر».
جديد اليوم الكشفُ الآخر الذي قالت صحيفة أبناء الملك السعودي سلمان («الشرق الأوسط») إنها تفردت به، بالتوازي مع معلومات إضافية نشرها «المصدر» الإسرائيلي، عن «استقالات واحتجاجات داخل كتائب القسام»، بعد إعلان الأخيرة إعدامها العضو فيها محمود اشتيوي، بناءً على «تجاوزات سلوكية ومالية». هذه الثغرة في بيان «القسام»، مع حملة التساؤلات التي قادتها عائلة اشتيوي، شكّلت مدخلاً للتقارير الإعلامية في تبرير المشهد: «انشقاق جديد يقوده ثلاثون كادراً من كتيبة منطقة الزيتون، بعنوان القساميون الأحرار، احتجاجاً على إعدام قائدهم».
ردّ «حماس» المعلن كان نفياً كالمعتاد، وجاء على لسان القيادي صلاح البردويل، انطلاقاً من مواقع مدعومة من قطر في ترادفية إعلامية خليجية ــ حمساوية. علق البردويل بأنها أخبار «مفبركة»، وبأن ما صدر باسم «لواء القساميين الأحرار» هو «بيان مفبرك وراءه جهاز مخابرات، سواء أكان إسرائيلياً أم غيره»، موضحاً أن الجناح العسكري للحركة «أعمق بكثير ممن يتخيلون... لا يمكن اتخاذ أي قرار داخل الحركة وأجهزتها المختلفة، إلا بالإجماع وبمرجعية سياسية».
إذن ماذا يجري؟ تجيب المصادر التي تحدثت إلى «الأخبار»، بأن هناك حركة «تدوير» كلية تجريها «القسام» على مستوى قيادات الكتائب والألوية، وتركز بصورة أساسية على إسناد مسؤولية كل «منطقة عمل عسكري» إلى قيادات ليست من المنطقة نفسها. الهدف من ذلك ــ كما يبدو ــ إعادة «الكشف الأمني على الحالة العسكرية» إضافة إلى «الرقابة المالية والإدارية على عمل الوحدات المتعددة». تضيف المصادر: «هذه خطوة جديدة لدى الكتائب، فحينما تأتي بقيادي من منطقة إلى أخرى، يصير من الممكن الكشف عن عدد من الثُّغَر. في النهاية، قطاع غزة صغير، وإعادة التدوير (المناقلات) لن تكون ذات نتائج سلبية»، مستدركة: «خُيّل إلى بعضهم أن ما يجري استقالات جماعية بسبب التبديل الواسع. في النهاية ليس على القسام أن ينشر قراراته الإدارية على الإعلام... نؤكد التحفظ عن نشر أسماء قيادات جرى تبديل مسؤولياتها، لكنها أمثلة يجري تداولها».
ومن المعروف على الصعيد الفلسطيني، أن «حماس» من أمتن الفصائل على المستوى التنظيمي، ولكن هذا لا يعني انعدام الخلافات داخلها، بل وصل بعضها إلى حد الاشتباك بالرصاص. أما ما يمنع تفاقم المشكلة، فهو «وجود مرجعية سياسية مركزية قوية ومنظومة قضائية عسكرية»، فضلاً عن أن وجود «خصم لدود كحركة فتح»، يجعل من المختلفين داخل «حماس» منتبهين إلى «الصيد في الماء العكر»، مع أنه أسلوب متبادل بين أبناء هاتين الحركتين على وجه التحديد. كذلك فإن عمر الحركة «الشّاب» وحكمها قطاع غزة، يجعلان من ضرورة حصر الخلافات وتسريع حلها، واجباً على «طلائع الإخوان»، في ظل ما شهدته الجماعة الأم (الإخوان المسلمين) من تشظيات، في مصر والأردن تحديداً.
ماذا عن اشتيوي؟ يتحفظ كثيرون عن الرد، ولكنهم يؤكدون أن الإعدام اتخذ ضمن مرجعية وقرار جماعي، كما «تتخذ الحركة قراراتها كلها». ويمتنعون أيضاً عن الإدلاء بمعلومات وافية عن طبيعة التهم (التجاوزات السلوكية والمالية) التي يمكن أن تؤدي بالشخص إلى الإعدام، خاصة أنه لم يعهد على الكتائب إعلان أسماء الذين يجري إعدامهم. تكتفي المصادر بالقول، إن «الظروف الاجتماعية والإعلامية المحيطة بقضية اشتيوي لم تمكّن الحركة من إخراج الأمر بصورة أخرى غير التي جرت»، مع ما رافق ذلك من أسئلة مفتوحة على مستوى القاعدة الشعبية للحركة وللجمهور المناصر، الذي «تأثر برواية العائلة» في ظل غياب أجوبة «القسام».
وبينما تتهافت وسائل الإعلام الدولية للتواصل مع صحافيين وسياسيين في غزة من أجل معرفة التهم التي أعدم بسببها اشتيوي، لم يفلِت السعوديون من بين أيديهم فرصة لمهاجمة «حماس»، ليس حرصاً على تطبيق القانون وسلطته في غزة، بل للقول للحركة: هذا جزاء الحسنى... وإياكم وإيران حتى إن لم نفتح أبوابنا لكم!




أحد منفّذي عملية القدس يعمل في أمن السلطة

بدأت مشاركة رجال السلطة تتضح أكثر فأكثر في انتفاضة القدس، لكن بقرارات فردية. فبعد ساعات على إطلاق العدو النار على الشابة رشاد التميمي (أول من أمس) في الخليل وتركها تنزف، نفذ الشهيدان عمر عمر (20 عاماً) ومنصور ياسر شوامرة (20 عاماً) عملية مزدوجة في منطقة باب العمود في القدس المحتلة. وشوامرة هو ابن جهاز «الأمن الوطني» الفلسطيني.
وقال العدو إن «رجلين استخدما أسلحة آلية»، في عملية مشابهة لأخرى في المنطقة نفسها، من ناحية، ومن ناحية أخرى مشابهة لجهة التنفيذ لعملية الشهيد أمجد سكري على حاجز «بيت إيل».
إلى ذلك، أغلق جيش العدو أمس بلدة العرقة، جنوب غرب جنين (قرية الشهيدين نهاد وفؤاد واكد) وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة. كذلك وقعت صدامات بين سكان مخيم الأمعري في الضفة وجنود إسرائيليين اقتحموا المخيم واعتقلوا عضو المجلس الثوري في حركة «فتح» جمال أبو الليل، الذي اتهم بـ«نقل أموال لتمويل أعمال مسلحة».
(الأخبار)