وفق تقديرات منظمة «أوكسفام» ينضمّ كلّ يوم 25 ألف يمني إلى طابور الجوعى منذ أواخر شهر آذار من العام الماضي. وفي وقتٍ سابق حذّرت القائمة بأعمال منسّق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، يورنيما كاشياب، من أن نحو 10 ملايين إنسان لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم التالية. وفي تقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «فاو»، فإن أكثر من 14 مليون يمني، يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي. وفي تقرير مماثل أعده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، فإنّ نحو 21.2 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى نوع من المساعدة لتلبية احتياجاتهم الأساسية. بالإضافة إلى 20.4 مليون يمني يعانون شحّ الحصول على المياه الصالحة للشرب وخدمات الإصحاح البيئي الضرورية وفق إحصائيات منظمة اليونيسف.

وذكر البنك الدولي في آخر تقرير له أن 20 مليوناً من أصل 24 مليون نسمة أصبحوا الآن في تعداد الفقراء، أي ما نسبته 80% من إجمالي عدد سكان اليمن. وهي زيادة نسبتها 30% منذ شهر نيسان 2015، وانخفض متوسط دخل الفرد بنسبة 23% و28% على التوالي، وأدت الآثار المباشرة للحرب إلى انخفاض نسبته 14% و16% في متوسط نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي على الترتيب.

10 ملايين إنسان لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم التالية

أسعار السلع الغذائية الأساسية ارتفعت على نحوٍ غير مسبوق، علماً بأن اليمن يعتمد بنسبة 90% في الحصول على غذائه عن طريق الاستيراد ولاسيما القمح، حيث يعدُّ من أكثر البلدان العربية استيراداً له بنسبة تبلغ 23 مليون طن سنوياً.
هذا الواقع يقتضي في ظلّ الحصار وإجراءات التفتيش التي تخضع لها جميع الواردات، زيادةً في تكاليف التأمينات والنقل والتوزيع، فضلاً عن ترشيد عملية الإستيراد من جانب التجار خشية أن تتحوّل مخازنهم هدفاً للغارات الجوّية. في النهاية تُضاف كل تلك التكاليف إلى السعر الإجمالي للسلع التي أصبحت بمعظمها بعيدة عن متناول السواد الأعظم من اليمنيين. فخلال الفترة الماضية ارتفعت أسعار الدقيق وغاز الطبخ بنسبة 300% ووصل سعر البترول إلى حدود 1400% وفقاً لتقارير منظمات إغاثية دولية.
يأتي هذا في الوقت الذي تشير فيه إحصائيات شبه رسمية إلى أنّ نسبة البطالة تتجاوز 50% من إجمالي القوى القادرة على العمل. يضاف إلى ذلك آلاف العمال والموظفين الذين خسروا وظائفهم بسبب توقف الشركات العاملة في اليمن وإغلاق السفارات، وتكاد تنعدم البدائل التي تضمن مصادر أخرى للدّخل، وهو ما يسهم في تفاقم الوضع الإنساني، حيث أصبح الحصول على أدنى أساسيات العيش مطلباً عسيراً.
ونال النازحون نصيباً مضاعفاً من هول المعاناة، وبات معظمهم على شفير مجاعةٍ إن لم يُتدارك الأمر سريعاً. أعداد النازحين في تزايد مستمر. تشير التقديرات إلى أن عددهم بلغ قرابة المليوني نازح، فيما فر 121 ألف شخص إلى خارج البلاد. ووفقاً للتحليل الذي أعدّه برنامج الغذاء العالمي المعروف بــ «التصنيف المرحلي المتكامل لحالة الأمن الغذائي والأوضاع الإنسانية»، صنفت 10 من أصل 22 محافظة في اليمن الآن بأنها تعاني انعدام الأمن الغذائي الذي يصل إلى مستوى «الطوارئ»، وهي محافظات صعدة وعدن وأبين وشبوة وحجة والحديدة وتعز ولحج والضالع والبيضاء.
على سبيل المثال، أصبحت مدينة حرض المحاذية للحدود السعودية في شمال الغرب خالية من السكان، بعدما حولها القصف اليومي إلى أطلال ليس فيها إلاَّ عويل الريح وزمجرة الطائرات. الفنادق والسوبر ماركت بعضها قصف، وبعضها تعرض للسرقة. أما أهلها فنزحوا جميعاً، حاملين ما تيسّر لهم من أغراض، تاركين وراءهم منازلهم، وتجارتهم التي ازدهرت مع الخليج، ومزارعهم، ومحلاتهم، ومهنهم. البقاء في المدينة أصبح مستحيلاً، بعدما أمست مسرحاً مفتوحاً لا تنفكُ الطائراتُ السعودية في سمائه عن التحليق والقصف، ورصد كلّ مظهرٍ متحرّك على الأرض ليكون بعد ذلك هدفاً يُغدقون عليه لهيب القذائف. النازحون من هناك يعيشون في وضعٍ مقلق. معظمهم نزح إلى مدينة «عبس» المجاورة، ما مثّل عبئاً مضاعفاً على أهلها، وتسبّب بتضاعف أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية.
في صنعاء ثمّة العديد من هؤلاء؛ كثيرون يعانون نقص الغذاء، والبرد، وعدم توافر السكن اللائق. منهم من فقد كلّ شيء حتّى الأمل. يتحدّث أحدهم، عاصم، عن كيف استهدف الطيران السعودي داره وسيارته (الهايلوكس) التي كانت مصدر دخله الوحيد، وعن كيف أصبح بين ليلةٍ وضحاها فقيراً مُعدماً فارّاً بحياته وأسرته إلى صنعاء، ليجد نفسه بلا عملٍ ولا مأوى، إلا من غرفةٍ واحدة يعيش تحت سقفها هو وأسرته، بينما لا يتجاوزُ اتساعها عشرة أمتار، بلا طلاء ولا نافذة، ويدفع نظير استئجارها 10ألاف ريال شهرياً. يقول إنه مذ جاء إلى صنعاء يعيش وعياله موتاً بطيئاً تحت ضغط الحاجة، إذ لا عمل لديه ولا دخل إلا من بعض المساعدات.
أوضاع نازحي حرض لها نظائرها في محافظات أخرى مثل تعز والضالع ولحج وصعدة. تشير تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» إلى أنّ نحو 2.7 مليون نازح يحتاجون الآن إلى الدعم لتأمين لوازم الإيواء أو المستلزمات المنزلية الأساسية، ويقول المكتب إنّ النازحين يحتمون حالياً في 260 مدرسة، متسبّبين بذلك في منع 13 ألف طفل من الحصول على التعليم.
الناشط والإعلامي، أديب العليمي، زار في مهمةٍ إغاثية مدرسة النصر في مديرية خدير (تعز) التي تؤوي مئات النازحين، معظمهم فرّ من مدينة تعز ومن منطقة «كرش» التابعة لمحافظة لحج التي تشهد صراعاً ومواجهات عنيفة وغارات مكثفة للطيران.
يصف العليمي في شهادته الوضع هناك بالمأساوي حيث يفتقر النازحون لأبسط أساسيات الحياة العادية. في كل فصل دراسي يسكن أكثر من عشرة أشخاص ليس لديهم ما يكفيهم من الغذاء، ولا مياه صالحة للشرب، ولا غاز منزلي، ولا إضاءة، ولا حتى دورات مياه. حياة النازحين هناك تمرّ من «خرم الإبرة» وتجبرهم على أن يستخدموا طرقاً بدائية ليعيشوا. منظّمات إغاثية كانت قد قدّمت بعض المساعدات للنازحين ولكنّها بحسب العليمي لا تحلّ سوى 20% من المشكلة التي لا تنفكّ تتأزّم وتتّسع.
وبالمجمل فإن ما قدّمته الجهات والمنظمات الإغاثية حتى الآن يظلّ جزءاً ضئيلاً من هامش الكارثة الإنسانية التي أفرزتها شهور من الحصار والدمار تدور فيها رحى المعاناة بما لا يشتهي الوطن المنكوب، الذي بات قرابة ثلثيه لا يشبعون من جوع ولا يأمنون من خوف.




جهود دولية لتدارك الأزمة

في غمرة الوضع المتأزم، تسعى الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية دولية إلى تدارك الأزمة الغذائية الحادة في اليمن. وخلال الأشهر الماضية، وصلت قوافل إغاثية عدة من منظمات خيرية ودولية محمّلة بالمساعدات الإنسانية الأساسية، جرى توزيعها بنسب متفاوتة في المناطق الأكثر تضرّراً مثل: حجة، وعدن، وتعز، وصعدة. كما وزّعت منظّمة الصحّة العالمية 960 ألف ليتر من المياه الصالحة للشرب على الأحياء المتضرّرة في مدينة تعز، مثل: حي القاهرة، والمظفر، وصالا. بالإضافة إلى عمل بعض مضخّات المياه في أحياء من صنعاء والمناطق الأخرى.
كذلك، خصّص صندوق الأمم المتحدة المركزي "سرف" 25 مليون دولار لدعم المساعدات الإنسانية في اليمن، وفي وقتٍ سابق دعت منظمة الأمم المتحدة إلى توفير 1.66 مليار دولار لانتشال الملايين من الكارثة الإنسانية، علماً بأنه لم يجمع إلى الآن إلا 10% من ذلك المبلغ.