ما حصل في معراب، بين رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، أثبت بعد مرور شهر على تلك اللحظة أنه يتعدى سحب جعجع ترشيحه للرئاسة، وترشيح عون لرئاسة الجمهورية.
لا شك في أن الترشيح، كفعل قائم بذاته، استأثر بالاهتمام السياسي، وتحولت الانظار اليه، كونه قلب معادلات وغير مجرى الحدث السياسي، لأن المصالحة كفعل بدت بالنسبة الى البعض كأنها شكلية، في ظل أسئلة ظلت تطرح: هل سيتفقان على رئاسة الجمهورية؟ وهل سيرشح جعجع عون؟
أتى الترشيح الجدي في أعقاب مبادرة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري ترشيح رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية. رفض جعجع هذه المبادرة كما رفضها عون، لتأتي خطوة جعجع كأنها اللبّ الاساسي في مصالحتهما التي أنهت ثلاثة عقود من الصراع بين الطرفين.
لكن المصالحة لم تكن قائمة فحسب على ملف رئاسة الجمهورية، على أهميته، إذ إنها أتت تتمة لإعلان النيات بينهما، إثر زيارة جعجع للرابية، وتوّجت نحو سنة من الحوار الثنائي على كل المستويات. ورغم أن التعليقات السياسية صبّت، منذ زيارة عون لمعراب، في إطار الترحيب بالمصالحة المسيحية، من دون الموافقة على ترشيح جعجع لعون، إلا أنها بدت كأنها غير مرتاحة أصلاً لفكرة التحالف المسيحي الرامي الى أبعد من ترشيح عون، بعدما استوعب المعارضون ما يمكن أن تحمله هذه المصالحة من خطورة جدية على مصالح القوى السياسية التي حكمت منذ عام 1990 حتى اليوم. فالرجلان المعنيان هما من خارج هذه المنظومة الحاكمة، وهما ظلا بعيدين عن المرحلة التي شهدت أسوأ تعامل مع القوى المسيحية، وفي مختلف الاتجاهات.
أول نمط في التعامل مع هذا التحالف قبل أن يعلن ويترجم بمصالحة معراب النهائية، ظهر بجدية خلال النقاش حول ملف استعادة الجنسية والطريقة التي حورب بها، قبل إقراره وحتى بعده. فالتهديدات التي أطلقت لمنع إمرار المشروع والضغط على القوى المسيحية لفك ارتباطها به ومنع تشبّثها بإقراره كتشريع الضرورة، ما أوصل الامور حينها الى حافة الانهيار، قبل أن يولد المشروع قيصرياً، دلّت على أن هناك فريقاً استأثر بالسلطة بعد إقرار اتفاق الطائف ولا يريد التنازل عنها بسهولة. لكن الاتفاق الذي أبرم لإقرار تشريع الضرورة ومعه استعادة الجنسية، لم يمنع الفريق الذي استاء من الموقف المسيحي من أن يبدي "نقزة" من هذا الاتفاق. رغم أن قيادات سياسية من الصف الاول راهنت على أنه لن يصمد وسيسقط عند أول استحقاق انتخابي، رئاسي أو نيابي.

تحديات المصالحة: قانون انتخابات ولامركزية وإنماء ودَين عام وصناديق

جاء تحالف عون وجعجع ليكسر هذه المقولة، ويؤكد أن التحالف الثنائي يمضي قدماً في تثبيت تحالفه المتعلق برئاسة الجمهورية. لكن الأهم أن أمام هذا التحالف تحديات وخطوات مدروسة على طريق استعادة الدور المسيحي، ووضع الملفات العالقة منذ عام 1990 على الطاولة، وهي كالآتي:
ــ إقرار قانون انتخابات نيابية حقيقي وليس مفصلاً على قياس قيادات سياسية بحجج مختلفة، تارة على قياس رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، وتارة على قياس حلفاء لسوريا كما كان يجري إبان وجود جيشها في لبنان.
ــ إقرار قانون لللامركزية الادارية وتطبيقها لاحقاً تطبيقاً حقيقياً، لأن هذا الملف يؤجل من مرحلة الى أخرى بسبب معارضة أطراف أساسيين له، لأنه لا يصبّ في مصلحتهم السياسية والانمائية والمالية.
ــ إقرار قانون النظام الداخلي لمجلس الوزراء لإدارة حقيقية وفعلية للبلاد.
ــ وضع ملفات الادارة والمجالس والصناديق المالية والدين العام على مشرحة البحث ومعالجتها جذرياً.
ــ معالجة جدية لتجاهل كل الملفات الانمائية المتعلقة بالمناطق المسيحية، وهو أمر مزمن، ويتناول مختلف القطاعات الانمائية والاجتماعية والاقتصادية والبنى التحتية.
وبخلاف نظرة بعض معارضي المصالحة المسيحية، فإن التحالف الجديد بين عون وجعجع مقبل على مرحلة استعادة حقيقية للممارسة السياسية من الداخل، من خارج الشعارات الفضفاضة المتعلقة بالدور المسيحي. فالملفات التي سبق ذكرها، مواضيع حساسة وأساسية على طريق الحضور المسيحي وإعادة انتظام عجلة الدولة وكافة مؤسساتها، وبجميع مكوناتها. وقد يكون معارضو عون وجعجع على يقين من أن هذا التحالف جدّي ويتعدّى ملف رئاسة الجمهورية، ولهذا السبب يوجّهون انتقاداتهم عشوائياً: حيناً على استعادة الجنسية الى حدّ السخرية من جموع المغتربين الذين سيحصلون على الجنسية اللبنانية، وتارة بالتصويب المباشر على المصالحة المسيحية إما بالاستهزاء منها وإما بمحاولة القفز فوقها عبر شخصيات من الزمن السوري، أو بشخصيات حزبية لم تعد تؤثر في المزاج المسيحي العام. التحدي أمام عون وجعجع هو في إمكان ترجمة النقاط والملفات العالقة بجدية، لأن حجم الهجوم اليومي عليهما يثبت أن انعكاس المصالحة النهائية في شهرها الاول، أثار كل هذه المخاوف، فكيف الحال إذا سارا على طريق قانون انتخابات نيابية واللامركزية والنظام الداخلي لمجلس الوزراء؟