18 شباط 2015، سمير جعجع يُغرّد معايداً النائب ميشال عون: «أتمنّى قبل عيد ميلادك المقبل أن نكون قد أتممنا اتفاقنا الكامل، وكلّ عام وأنت بخير». صدقت تمنيات جعجع، فوقّع غريما الحرب الأهلية ورقة نيات تُوجت بتبني ترشيح عون من معراب في كانون الثاني الماضي. 19 شباط 2016، سمير جعجع يكشف أمام ضيوفه من الصحافيين عن تطورات طرأت على الملف الرئاسي، "حدّها الأقصى لتعطي نتيجتها هو نيسان المقبل". يرفض أن يكشف ماهية هذه التطورات. هل سيُنتخب رئيس جديد؟ «انشالله. نحن لاعبون أساسيون وسنعمل من أجل ذلك. لم يعد بإمكاننا أن نُكمل هكذا لشهرين إضافيين»، يجيب جعجع بثقة. يبدو حاسماً وهو يقول إنّه «في رئاسة الجمهورية، من غير الوارد أن يكون هناك خيار ثالث»، معارضاً بذلك كلام الرئيس سعد الحريري في 14 شباط حين قال إن من الممكن أن يكون هناك مرشحون آخرون. قيل الكثير عن أنّ هدف جعجع من ترشيح عون هو «وراثة» جزء من الشارع المسيحي، أما بالنسبة إليه فقد «قمت بالخطوة التي أراها مناسبة. وأي حدا بيتصرف صح، الله بجازيه»، يضيف ممازحاً.
تمثال سيّدة حريصا يبدو من تلك التلّة «الاستراتيجية» باسطاً يديه أمام خليج جونية الهادئ. على طول الطريق المؤدي إلى مقر حزب القوات اللبنانية، لا تتكدس النفايات في الشوارع ولا روائح كريهة، بل غابات من الأشجار تحجب صخب المدينة والعمران العشوائي، والسبب هو أنّ «بلدية غوسطا اتخذت التدابير اللازمة»، على حدّ قول جعجع «المحسود» على الهواء النظيف الذي يتنشقه.
«القلعة المعرابية» المشهورة بالإجراءات الأمنية المتشددة، غيّرت عادتها: مهمة التفتيش أوكلت، حصراً، إلى عناصر القوى الأمنية عند الحاجز «الأمني» الأول. عند الحاجز القواتي الثاني، يكتفي الشباب بالتأكد من هوية الضيف، والـ«أهلا وسهلا»، باللغة الفرنسية. لا ينتهي «المشوار» عند هذا الحدّ، كما درجت العادة. هذه المرّة، لم تكن المركبات القواتية حاضرة لنقل الزوار ولم تتلَ عليهم «لائحة الممنوعات»، فقد سُمح للسيارات باختراق الحاجز، وصولاً صوب «منزل ستريدا وسمير جعجع». هذا هو المكان نفسه، الذي شهد قبل قرابة الشهر «معجزة» استقبال ميشال عون مرشحاً لرئاسة الجمهورية.

التطورات الميدانية هي لصالح روسيا وإيران لكن سيطرأ ما يوقف تقدمهم

«تسيطر» مسؤولة مكتب «الحكيم» الإعلامية أنطوانيت جعجع على الهواتف وحقائب النساء، فتحجزها في مكتبها حتى انتهاء اللقاء. الأرزة القواتية ودائرتها الحمراء تحرسان مدخل القاعة، هناك سيقف «الحكيم» ليلتقط الصورة الجماعية مع الصحافيين الذين استضافهم يوم أمس. على يسار المدخل، «فرشت» طاولتان للأكل «القاطع» المخصص للصائمين، هو الطعام الذي يُفضّله جعجع «لأنه صحيّ. تما نربّح ربنا جميلة». سيّد معراب لا يصوم، فقد اعتاد منذ أن كان في الزنزانة «تناول الطعام ما بين الحادية عشرة والنصف والظهر». ترن أصوات الشوَك والصحون، قبل أن «تجتاح» أنطوانيت المكان منشدةً للقدس!
«الجمهورية القوية» وعلمها يزينان حائط قاعة الاجتماعات التي يطغى عليها اللون الأبيض: غطاء الطاولة المستطيلة، غطاء الكراسي، الأوراق… وحدها كرسي جعجع رمادية. يأخذ الصحافيون والإعلاميون «الأصدقاء» موقعهم حول الطاولة، تحضيراً لانطلاق الجلسة الإعلامية. هي جزء من استراتيجية معراب الإعلامية الجديدة، فبعد «دردشتين» مع النائب أنطوان زهرا، اختار جعجع أن يكون هو «المصدر» هذه المرّة، ليوضح نقاطاً عدة، بدءاً من رئاسة الجمهورية، مروراً بـ«هفوة» البيال، وصولاً إلى نظرته للتطورات الإقليمية والوضع الميداني في سوريا.
«يا ذوات»، يدخل جعجع القاعة مُرحباً. قبل البدء، «قهوة بلا كافيين. مع إنو منيح أوقات». الارتياح ظاهر على ملامح رئيس حزب القوات اللبنانية الذي «ما في مسلّة تحت باطو». رئيس «أكثر الأحزاب العابرة للطوائف»، على ذمة آخر استطلاع للرأي أعدّته "القوات"، ركّز في خطابه على ثلاث نقاط: التحالف مع تيار المستقبل، عدم العودة إلى زمن الاصطفاف الطائفي، والحلف مع عون لا تراجع عنه. في النهاية: «البيت يللي ما في حكيم بيخرب»، يقول باسماً.
«عجقة» الصحافيين أمس وتنافسهم لطرح الأسئلة، وأحياناً الإجابة عن أسئلة بعضهم البعض من باب المزايدة على المضيف، دفعت مسؤول جهاز التواصل والإعلام ملحم رياشي إلى لعب دور رئيس مجلس النواب نبيه بري: «بالنظام إذا بتريدوا»، قامعاً الأحاديث الجانبية قبل أن يتابع «شخبطته».
ابن بشرّي «الحلوة والتي أزورها من وقت إلى آخر»، لا يزال يُصرّ على استخدام عبارة «الثورة السورية». بالنسبة إليه، لا يبدو أن القوات العربية ستدخل إلى سوريا «فالسعودية تشترط مؤازرة الولايات المتحدة الأميركية وأشك بأن يقبل باراك أوباما بذلك». الأمور لن تتبدل «قبل انتخاب رئيس جديد في أميركا». ولكن، «لا يفرحنّ فرِح، لن يبقى بشار الأسد» رئيساً. صحيح أنّ التطورات الميدانية «هي لصالح روسيا وإيران ولكن هناك مدّ وجزر، سيطرأ أمر يوقف تقدمهم». الحرب الكونية في سوريا، كما يصفها جعجع، لن «تؤدي إلى حلّ الجيش أو الإدارات. التغيير سيكون على مستوى الفئتين الأولى والثانية» في النظام.