قبل أربعةَ عشر شهراً، شهدَ الخطُّ البياني لانتصارات تنظيم «الدولة الإسلامية» انكساراً حادّاً. على أبواب مطار دير الزور العسكري وُضعَ حدٌّ لأسطوانة نجاح «داعش» في اقتحامِ أيّ منطقةٍ يضعُها تحتَ الحصار («الأخبار»، العدد 2467 ).

فرملةُ رحلةُ الصعود و«التمدّد» التي رافقت التنظيم طويلاً في سوريا، بدأت بالتعثُّر بشكلٍ فعلي على أبواب عين العرب (ريف حلب الشمالي) وبفعل عواملَ عدّة، على رأسها الهزائم التي مُني بها داخل الأراضي العراقية. في أواخرِ كانون الثاني من العام الماضي، وبتزامنٍ لافتٍ، أعلنت القوات العراقية تحرير كامل محافظة ديالى من «داعش»، وطُويَت صفحةُ معركة عين العرب المحاذية للحدود التركية («الأخبار»، العدد 2503). هزيمة «داعش» تلك، مهّدت لتغييراتٍ جذريّة في خريطة السيطرة ما زالَت مفاعيلُها مستمرةً حتى اليوم. احتاج التنظيم إلى ثلاثة أشهر بعدَها، ليبدأ العملَ وفقَ «استراتيجيّة» جديدةٍ وضعَ مخطّطوه العسكريّون لها خطة تقومُ على اختراق العمق السوري («الأخبار»، العدد 2574). سرعانَ ما آتت الخطّة ثمارها في أيار 2014. اقتحمَ التنظيم المتطرف مدينة تدمر التاريخيّة، واستعاد التوازن، بعيداً منَ المناطق الحدوديّة («الأخبار»، العدد 2591). وباستثناء الاختراق الذي حقّقه قبلَ حوالى شهر في قرية البغيليّة (ريف دير الزور الغربي)، يمكن القول إنّه يمر بمرحلةٍ غير مسبوقة من الانكسارات على غيرِ جبهةٍ سوريّة: انتكاساتُ ريف حلب الشرقي المتتالية، والعمليّات العسكريّة الآخذةُ بالاقتراب تدريجيّاً من «عاصمته» الرقة، وتقدّم «قوات سوريا الديمقراطيّة» على حسابه في ريف الحسكة. أمام هذه المعطيات، يستميت التنظيم في تطبيق «خطّة إنقاذ» تقومُ على مبدأ «الهجوم خير وسيلةٍ للدفاع»، وتأخذ الخطّة في حسبانها ثلاثَ بؤرٍ أساسيّة: دير الزور، الحسكة، وحلب. ضمنَ هذا الإطار تكتسبُ محاولاتُ «داعش» خنقَ مدينة حلب عبر محور «أثريا، خناصر، السفيرة» أهميةً قصوى في حساباته. اللافتُ أنّ هذه الحسابات تتطابقُ أيضاً معَ حسابات «خصومه» من المجموعات المسلّحة في جبهات ريف حلب المختلفة، ما يجعلُ من «تحالف حلاوة الروح» ملاذاً أخيراً للطرفين («الأخبار»، العدد 2807). وإذا كانت عوائق تظهير التحالف بشكل علنيّ بين الطرفين كثيرة، فإنّ وجودَ تنظيمٍ «ثنائي الهوى» مثل «جند الأقصى»، يبدو كفيلاً بتفادي «الحرج». الأخير، وبعدَ أن شهدَ قبلَ أيّام انقساماً أدّى إلى «تنقيته» من المتحفّظين على التحالف مع «داعش» («الأخبار»، العدد 2817) سارعَ إلى مؤازرة التنظيم في محاولة خنق حلب، وبتأييدٍ ضمنيّ من «النصرة» وباقي المجموعات المسلّحة. من سراقب وأبو الظهور (ريف إدلب) انطلقَ مقاتلون من «الأقصى» و«الحزب الإسلامي التركستاني» لينضمُّوا إلى «إخوتهم» مسلّحي «لواء التوبة» القوقازي على أطراف بلدة بنان الحص (ريف حلب الجنوبي). هجومٌ مزدوج شنّه هؤلاء وعناصر تنظيم «داعش» استهدفَ نقاطاً عدّة في محيط خناصر (ريف حلب الجنوبي الشرقي): حجارة كبيرة، حجارة صغيرة (جنوب غرب خناصر)، الحمام، برج الزعرور، رسم الكرع، رسم النفل، أم عامود، وشلّالة كبيرة (شمال وشمال شرق خناصر). معارك الكرّ والفرّ أدّت إلى إغلاق «شريان حلب» الجنوبي إغلاقاً «مؤقّتاً»، وفقَ تأكيدات مصدر ميداني سوري لـ«الأخبار». المصدر أوضحَ أنّ هجماتٍ من هذا النوع «هي هجمات متوقّعة، وكان من المُفترض الحيلولة دون تحقيقها اختراقاً بهذا الحجم». وأكّد المصدر أنّ قوات الجيش «أفلحَت في احتواء الوضع مساء اليوم (أمس الاثنين)، والعمل جارٍ لإعادة الأمور إلى نصابها بشكل كامل كمرحلة أولى، ثمّ تلافي الثُّغر وتوسيع النطاق الآمن تالياً». في المقابل، أكّد مصدرٌ «إعلاميّ جهادي» أنّ «هذه الضربة الموجعة ليسَت سوى مقدّمة لقلب الموازين». المصدر المرتبط بتنظيم «داعش» قال إنّ «الهجمات لن تنتهي بطريقة مُشابهة لما حصلَ في معارك تشرين الأوّل الماضي (في إشارة إلى محاولة مماثلة سابقة، «الأخبار» العدد 2724). وأكّد المصدر لـ«الأخبار» أنّ «جنود الخلافة يتحرّكون وفقَ مخططٍ دقيق، وهناك نقاط استراتيجية بعينها هي الهدف من هذا الهجوم المبارك، وسيتم تثبيتُ السّيطرة عليها بإذن الله، ثمّ الانطلاق نحو نقاط أخرى سيُفاجئ سقوطها الجميع». وفي الوقت نفسه امتنع المصدر عن الخوض في أنباء مشاركة «جند الأقصى» في الهجوم وحقيقة «مبايعتهم» التنظيم، واكتفى بالقول إنّ «باب الدولة مفتوحٌ دائماً».

الحسكة ودير الزور

وكما تحظى حلب بأهميّة استثنائيّة في حسابات «داعش»، تتمتّع الحسكة بأولويّة خاصّة، ولاعتبارات عدّة، على رأسها التهديدُ الذي يمكنُ أن تشكّله خسارتها لمعاقل التنظيم في دير الزور في مرحلة لاحقة. الهزيمةُ التي مُني بها التنظيم قبل أيّام في الشدادي (ريف الحسكة الجنوبي) بمواجهة «قوّات سوريا الديمقراطيّة» لم تكن حاسمةً إلى الحدّ الذي يدفعُ «داعش» إلى إسقاطها بشكل كليّ من حساباته. سرعان ما استفاد التنظيم من وجود عناصره في بعض الجيوب ليشنّ هجوماً معاكساً أفلحَ عبرَه في استعادة مناطق كانَ قد خسرَها في المدينة وبعض قرى الريف الجنوبي، مستفيداً من الأحوال الجويّة التي ألغت مفاعيل الغطاء الجوي. وأمس كثّف «داعش» هجماته على غير محور في ريف الحسكة، وعلى رأسها قرى محيط الشدادي (جنوب) وبلدة الهول (شرق). محافظة دير الزور تبدو بدورها حاضرة على خارطة «الهبّة الداعشيّة»، عبر خططٍ تهدفُ إلى تحقيق «فتحٍ جديد»، وفقَ تأكيدات مصدر «جهاديّ» لـ«الأخبار». المصدر قال إنّ «البُشريات التي ستهلّ قريباً من ولاية الخير (التسمية التي يطلقها التنظيم على المحافظة السوريّة) ستُدهش العالم».