لم يكن إقليم الخرّوب يوماً من أولويّات الرئيس رفيق الحريري. فلا «سوليدير» عرفت طريقها إلى هنا لتبني «داون تاون» من باطون وأضواء، ولا من ينازع النائب وليد جنبلاط على وصاية خفيّة ومعلنة على «أهل السنّة والجماعة» من الشوفيين. «الإقليميون»، في الأصل، رفدوا الأحزاب القومية واليساريّة في عزّها. وانصرف كثيرون منهم إلى «وظيفة الدولة»، إذ لا تكاد أي بلدة في الإقليم «المحروم» تخلو من قاضٍ أو ضابط وعددٍ لا بأس به من موظفي القطاع العام.


بعد 14 شباط 2005، أظهر الإقليم وفاءً لآل الحريري من دون جميل مسبق. زحفت القرى إلى ساحة الشهداء، وحملت «14 آذار» على أكتافها. يروي المستقبليون الجالسون في العتمة الآن، كيف «كانت برجا وشحيم وبعاصير وداريا وعانوت وكترمايا تخلو من سكّانها في كل مرة يدعو فيها الشيخ سعد (الحريري) إلى الحشد في 14 شباط و14 آذار». لم يبخل الإقليم بأصواته أيضاً، لا في انتخابات 2005 و2009، ولا في الانتخابات البلديّة الأخيرة. امتلأت الصناديق بلوائح «زي ما هيي» ليحصد تحالف المستقبل ـــ الحزب التقدمي الإشتراكي، ملحقاً به حزب القوات اللبنانية، مقاعد دائرة الشوف الثمانية، حصّة المستقبل المباشرة منها نائب واحد وحيد هو محمد الحجّار.
تكفي جولة في القرى ليظهر مدى تراجع طغيان المستقبل على الظاهر السياسي للإقليم. صور الحريري الابن والأعلام الزرقاء لم يبق لها أثر، وأغلق أكثر من مركز للمستقبل على مدى العامين الماضيين. لا يخفي المستقبليون أزماتهم، «غياب الشيخ سعد وخروجنا من الحكم ثمّ أزمة المال، جعلت حضور التيار يتراجع».
تراجع الحضور والملل الشعبي من دور التيار الغائب لا يعنيان أن المستقبل لا يستطيع حشد «الإقليميين» عند الاستحقاق. قوى 8 آذار تقرّ بأن للتيار حاضنة شعبية كبيرة في القرى السنية عمادها «العصب المذهبي»، كبرجا وشحيم الكبيرتين في الوسط والقرى المحيطة بهما، مع قوة أقل في قرى الإقليم الأعلى كمزبود ودلهون والزعرورية والبرجين. «ومهما ساء حال المستقبل، التمذهب في البلد يشكل رافعة له». يجزم المستقبليون بأن حالة الاشتراكي والجماعة الاسلامية لا تأخذ من حصتهم شيئاً: «نحن من يسيطر على الإقليم». الكلام يحتاج إلى تمحيص، فالوزير ونائب برجا علاء الدين ترّو لا يضيّع وقته كثيراً، وأئمّة المساجد، المحسوبون بأغلبهم على الجماعة الإسلامية، لا يصدحون في خطب الجمعة كرمى لعيون آل الحريري. ترّو أعدّ نفسه جيّداً في أغلب القرى، معتمداً على وجود حالة قبول تاريخية للاشتراكي، بالإضافة إلى ثقل خدماتي لم يتوقّف بعد تبدّل تحالفات جنبلاط. وزارة المهجرّين بتعويضاتها وأموالها لا تزال هنا، وكذلك زفت الوزير غازي العريضي وجرافاته، ولا يوفّر وزير الشؤون الاجتماعيّة وائل أبو فاعور جهداً لتثبيت أقدام الاشتراكي إلّا ويبذله. أمّا الجماعة، وبشهادة أخصامها في السياسة، فتملك تنظيماً ذا بنية قويّة، «وتعرف كيف توظف مالها ومساعداتها».
يؤكد المستقبليون «أن الهيكلية التنظيمية للتيار متماسكة». أما الدسم، فهو أن «التيار أنهى تشكيل ماكينته الانتخابية كاملة قبل أسبوع». لكن مستقبليين قدامى، وبعض «المتربّصين» من الأخصام، يؤكدون على «غياب القيادة المركزية وصراعات النفوذ داخل البيت الواحد». يقول هؤلاء إن المنسق العام الدكتور محمد كجك شخص متزن، وهو شخصية معتدلة ومقرّب من النائبة بهية الحريري، وتربطه علاقة ممتازة بالنائب مروان حمادة الذي روّج اسم كجك في فترة خلافه مع جنبلاط، قبيل تشكيل الحكومة، ليكون النائب السني الثاني إلى جانب الحجار، أي مكان ترو. لكن كجك، بحسب أكثر من مصدر، يعاني من ضعف في فرض سيطرته على جسم المنسقيّة وغياب قدرته على التدخل لفض الاشكالات. ويواجه الطبيب النسائي ضغطاً بسبب تدخل النائب محمد الحجار، عبر «جماعته»، في سير عمل التيار في الإقليم. كما يبرز اسم الأمين العام المساعد في تيار المستقبل بسام عبد الملك كأحد الأجنحة في المنسقيّة، وهو يتمتّع بقدرة قيادية وتأثير، ويساعده وضعه العائلي في بلدته كترمايا. وعبد الملك، بحسب قوى 8 آذار، هو أحد صقور التحريض على حزب الله والترويج للخطاب المذهبي.
ماذا عن وضع الحجّار؟
يقول المستقبليون إن نائبهم، في ظل الظرف المالي الصعب، يقوم بأقصى ما في استطاعته. يعدّد هؤلاء نشاطات الحجّار: يفتح بيته ثلاثة أيام في الأسبوع على الأقل، يشارك في الاتراح والأفراح، يوظّف قدر المستطاع في «سعودي أوجيه» وبنك البحر المتوسّط، بالإضافة إلى شركة «ليسيكو». أمّا في الإنماء، فيستحضر مصدر في المستقبل تحسين شبكة الصرف الصحي وتوسيع الطريق من الدبية إلى مرج علي ـــ الدلهونية.
النقد و«النق» بحقّ المستقبل تسمعه على لسان رؤساء بلديات كثر، من بينهم المحسوبون «نوعاً ما» على التيار، الذين يؤكدون أن خدمات التيار صفر. حتى الطريق التي يجاهر المستقبليون بأن الحجار كان وراءها، يقول أحد رؤساء البلديات إن العريضي زفّتها بناءً على طلب من ترو. يشكو هؤلاء من أن التيار يمارس ضغطاً على البلديات ويحاول الهيمنة عليها بحجّة أنه من أتى بها.
لا يركن المستقبل إلى اتهامه بالمذهبية، «حالة الغليان ليست مسؤوليتنا، إسألوا من يبني المجمّعات السكنية ويحاصر القرى السنية من الساحل إلى الجبل». يصر المستقبليون على أن سلوك حزب الله هو من حوّل الوضع إلى هذا السوء، «من 7 أيار، إلى القمصان السود، إلى الشقق والمكاتب التي يستأجرها الحزب في وادي الزينة وداخل القرى حتى، كلّ هذا يدفع الناس إلى التعصّب». «بالعربي»، يتحدّث المسؤول المستقبلي عن مشروعين أحدهما في الجية اسمه «مشروع البحار»، وآخر في برجا اسمه «تلال برجا»، وبحسب المسؤول، فإن حزب الله بنى هذه المشاريع وتركها فارغة لأسباب يجهلها المستقبل، «لكنها تثير الريبة».
لا يرى المستقبليون أن الشيخ أحمد الأسير يشكّل خطراً على وجود التيار في الإقليم، «الأسير لا يمكن أن يشكّل حيثيّة». بينما ترى قوى 8 آذار أن الشيخ الصيداوي حاجة للمستقبل لأنه «يشدّ العصب المذهبي ولا يستطيع الحصول على تأييد شعبي كبير». حتى مشايخ الجماعة الإسلامية، الذين لا يكفّون عن التحريض في أغلب الجوامع على حزب الله ثم يلتقون معه، «يساعدون المستقبل من حيث لا يدرون». يقول أحد مسؤولي المستقبل إن «الأسير هو نتيجة التطرف في الطرف المقابل»، أي حزب الله، لأن «العقيدة لا تخيفها إلا العقيدة».