لم يعد البقاع يستوعب تيار المستقبل. خلت فجأة ساحات القرى والبلدات من صخب جمهور التيار الأكثر بؤساً في لبنان اليوم. تيار لم يفهم على ناسه، ولا ناسه استطاعوا أن يستوعبوا سرعة تحوّلات من آمنوا به. على مدى 8 سنوات لم يتمكن تيار المستقبل في البقاع من صنع تحول واحد في مخاطبته لجمهور كان يتيماً سياسياً قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأصبح أكثر ضياعاً بعد اغتياله ووصول نجله سعد إلى سدة الزعامة العائلية والسياسية.


يعيش جمهور المستقبل في البقاع، اليوم، على أطلال مجد كانوا يعتقدون أن عزّه سيدوم طويلاً. لم يخطر ببال «شعب» التيار الأزرق أن مسارهم السياسي سرعان ما سيتحول إلى كابوس يقضّ مضاجعهم ويدخلهم في مصير مجهول. إنهم، باختصار، يتامى «شيخ» لم يحسن إدارة تياره، فانفضّوا عنه بحثاً عن مواقع سياسية وحزبية واجتماعية واقتصادية تكون أكثر فهماً لهواجسهم ومتابعة شؤونهم. ففي زمن التطرف الذي يضرب طول البلاد وعرضها، يقف جمهور تيار المستقبل في البقاع متأهباً للانقضاض على من أهدر عنفوانه السياسي، والانتقام من أولي الأمر في «الأزرق» و«البعيد عن العين بعيد عن القلب».
في 14 آذار 2005 زحف جمهور آل الحريري إلى بيروت للرد على «شكراً سوريا». توالى الزحف في كل احتفالات الأزرق حتى عام 2009. زحف سرعان ما أخذ يتراجع حتى أصبحت المشاركة في حفل «مستقبلي» تهمة و«عيباً». لم يسأل المستقبل عن سر نفور جمهوره البقاعي منه، ولا عن الأخطاء السياسية التي سببت تراجع حضوره في أبرز معاقله على حدود سوريا وفي قلب حديقة دمشق الخلفية. أسئلة كثيرة يطرحها «الزرق» في البقاع ولا يسمعون سوى صدى أسئلتهم، و«إذا أردت أن تطاع، فأمر بالمستطاع» يقول مسؤول سابق في «المستقبل» يضع على طاولة الحوار مع تياره سلة أسئلة يعرف أن لا أحد في بيروت أو منسقيات البقاع قادر على تقديم أجوبة عليها في زمن العجز عن الأمر بالمستطاع.
يتحدث «مستقبليون» في البقاع عن أحوال تيارهم واصفرار أوراق ربيعه. خريف العمر الذي اجتاح التيار في سهل البقاع، أسهم في تراجع حضوره و«مونته»، فخلت منسقيات التيار من كثافة الحضور الشعبي والسياسي وتحوّلت إلى مكاتب إدارية لموظفين يقومون بمهمات إدارية بحتة. ففي البقاع الغربي وراشيا لم تعد منسقية التيار في جب جنين مرجعية لأهالي المنطقة الذين يجدون في وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور مرجعاً سياسياً واجتماعياً وباباً تنفيذياً لتلبية الخدمات وحل المشاكل مع السلطات الرسمية. كانت منسقية جب جنين تضج بالحركة، لا يغادرها رؤساء البلديات ومخاتير القرى باعتبارها مرجعيتهم السياسية والخدماتية. كل همّ منسقية البقاع الغربي وراشيا اليوم الحفاظ على من بقي تحت أجنحة التيار المتكسرة. نواب المستقبل في المنطقة لا هم لهم سوى الواجبات الاجتماعية وعدم التواصل مع القواعد الشعبية. فحسابات النائب جمال الجراح الانتخابية لا تلتقي مع حسابات زميله النائب زياد القادري، والصراع الخفي بينهما يستغله قادة محليون في «الأزرق» لا يملّ بعضهم من كتابة التقارير بحق بعضهم الآخر، عسى ولعل يتبنى الشيخ سعد ترشيحهم في الانتخابات المقبلة.
تراجع التأثير السياسي والاجتماعي لتيار المستقبل في البقاع الغربي وراشيا ليس أقل شأناً من حال منسقية البقاع الأوسط التي تُعَدّ أساسية بحكم تركيبة المنطقة سياسياً وديموغرافياً. فالجغرافية السياسية في البقاع الأوسط لا تلحظ وجود حراك فعال للمستقبل في المنطقة. والهم الأساس اليوم ينصب على تركيب ماكينة انتخابية أنجزت أخيراً، ولكن لا فعالية لها في إعادة التواصل مع جمهور لم يبخل بأصواته الانتخابية سنة 2009 كرمى عيني «الشيخ سعد» و«زي ما هيي». ويكشف مناصرون للتيار في البقاع الأوسط أن الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري يعمل على أكثر من جبهة لإعادة رأب الصدع بين قادة التيار في المنطقة وجمهور يبحث عن مرجع يلجأ إليه في أوقات الشدة والأزمات. فغياب التواصل ومتابعة شؤون المناصرين والتخبط في إنتاج موقف سياسي واضح من أزمات البلاد، أدى إلى تراجع تأثير التيار على خزانه الشعبي في البقاع الأوسط. فالطاعة العمياء لقرارات التيار بين 2005 إلى 2009 تخضع اليوم لمناقشة واستفسارات قبل تنفيذ القرار. ففي سعدنايل ومجدل عنجر وبر الياس وقب الياس أصبح تقدير الموقف واجباً على جمهور المستقبل قبل تنفيذ القرار. ويقول «مستقبليون» إن حسابات جمهورهم في واد وقيادة تيارهم في واد آخر، مبدين تخوفاً من استمرار النزف في جسم التيار لمصلحة مجموعات دينية سلفية متطرفة في خطابها السياسي. ويعطي هؤلاء أمثلة على دقة كلامهم «التحذيري». ويقول أحدهم إن «المد السلفي يجتاح التيار في البقاعين الأوسط والغربي»، موضحاً أن مناصرين للشيخين أحمد الأسير وداعي الإسلام الشهال يعملون على مدار الساعة لتشكيل نواة تنظيمية لهما في سعدنايل وبر الياس ومجدل عنجر والفاعور والقرعون والرفيد وكامد اللوز.