لا وجود لتيار المستقبل في بيروت. الحزب القائد للعاصمة غائب خدماتياً، وتعصف به الخلافات تنظيمياً: خصومات داخلية، انشقاقات بالجملة، خضات بسبب سوء إدارة المنسقيات. سفر نائب بيروت الرئيس سعد الحريري زاد من تفاقم الإرباك، خاصة في ظل شح الخدمات والمساعدات المالية.

سوء الحال لم يضرب قطاعات التيار وحدها. حتى كتلة «المستقبل» لم تسلم من الوضع. فقد أدار نوابها آذانهم الطرشاء لناخبيهم، وساروا على قاعدة «نعم للسياسة، لا للخدمات». (راجع عدد الأخبار الاثنين ١٨ شباط ٢٠١٣)، متّكلين على الخطاب السياسي والشعارات لشدّ عصب الجمهور. وللمرة الأولى، خرج اعتراض جمهور الحريري إلى العلن، في مؤتمر عقد في قصر الأونيسكو بعنوان «بيروت... الطائفة السنيّة: إلى أين». كان لافتاً الحشد الذي لبّى الدعوة إلى المؤتمر («الأخبار» عدد 18 شباط 2013)، ليؤكد أن الشارع البيروتي ناقم على قيادته الزرقاء، حيث لم توفر الكلمات النواب ولا المسؤولين ولا حتى الشيخ سعد، بعدما شعر أهالي العاصمة أنّهم «مواطنون من الدرجة الثانية».

على عكس الفوضى السائدة في أجواء تيار المستقبل في بيروت والمناطق، يلتزم موظفو مبنى الأمانة العامة للتيار في سبيرز النظام. يظهر ذلك جلياً في أكثر من مشهد. بهدوء تام يُسيّر هؤلاء أعمالهم. بالكاد تسمع في الداخل التحيات المتبادلة. يتسمّر كل منهم وراء مكتبه لإنجاز ما هو مطلوب منه.
كأن الأزمة المالية لم تمُر من هنا. على الباب الرئيسي للمبنى، يبدو رجال الاستقبال، من خلف مكتبهم، في تيقّظ وتأهّب دائمين. السؤال عن اسم الزائر وكنيته وعمله أمرٌ أساسي. في الشكل هم عمّال مدنيون. أما المضمون فأمني بامتياز. بعد انتهاء «تشريح» قاصد المبنى، يسمح هؤلاء له بالدخول عبر كبسة زر إلكترونية لفتح البوابة الزجاجية. وعلى خلاف ضيق المصعد الذي لا يتّسع لأكثر من شخصين، تلفت فخامة المكاتب الموزعة على المديرين والمسؤولين، فيما يُقسّم الباقون في غرف مجهزة بما يحتاجون إليه.
على هيئة زعيم تيار المستقبل «المتأنق»، يتّضح أن الحفاظ على «برستيج» المظهر العام أمر لم يغفل عنه المعنيون بإدارة التنظيم. في بعض المكاتب توزّع باقات من الزهور، تجاورها «صواني» الشوكولا، ولا سيما في الغرف الخاصة التي يداوم فيها «كبار» الموظفين الذين يحظى بعضهم بثماني شاشات تلفزيونية، نُصبت على حائط واحد، لمتابعة أبرز المحطات المحلية والفضائية.
منذ اعتماده مبنى للأمانة العامة للتيار، ظهر هذا الهيكل المؤلف من 11 طبقة أشبه بخلية نحل. يحُجّ إليه يومياً، إلى جانب الموظفين المعتمدين، أعضاء من المكتب السياسي، والكوادر الشابة العاملة في التيار. حتّى إنه يصعب، في كثير من الأحيان، الحصول على متر واحد لركن السيارة في الموقف المخصّص له. يضُمّ المبنى أغلب منسقيات التيار: الإعلام، التربية والتعليم، المهن الحرة، الشباب، المرأة، الاغتراب، النقابات العمالية، وعلى رأسها جميعاً مكتب الأمين العام.
وبسبب الحركة المستمرة في داخله، يُعتبر الشريان الحيوي «للزرق». هو مكان عمل الأمين العام للتيار أحمد الحريري. هنا ينسّق استقبالاته، ويجتمع بضيوفه، ويقيم اجتماعاته. يوزع «الشيخ أحمد» وقته بين مبنى الأمانة العامة وقصر الرئيس بشارة الخوري في القنطاري، الذي انتقل إليه أعضاء المكتب السياسي أخيراً. أغلبهم لا يحضر بسبب انشغاله في أعماله الخاصة، بعد توقفهم عن الاجتماع فترة طويلة. ثمة استثناء. فبعض أعضاء المكتب السياسي يواظبون على الحضور بلا انقطاع، كالمنسّق السابق للإعلام راشد فايد، والوزيرين السابقين محمد رحال وحسن منيمنة.
لم تتغيّر مكونات عدّة داخل المكان، باستثناء التبديلات التي حصلت أخيراً. «طيّرت» إعادة الهيكلة نصف فريق العمل. العاملون حالياً حوالى مئة موظف.
توقفت الضجة الاعتراضية التي أثارها الموظفون منذ فترة، نتيجة الأزمة المالية التي عصفت بتيارهم. لا يُعرف كيف ضُبط هؤلاء. ربما يعود ذلك إلى الاهتمام الذي يوليهم إياه الرئيس سعد الحريري والأمين العام، في الآونة الأخيرة، على عكس أسلوب الاستهتار الذي تعاطيا به سابقاً مع المنسقيات ووسائل الإعلام وسائر القطاعات. يبدو الرضى الجزئي ظاهراً على وجوههم. يؤكدون أنهم «لمسوا تحسناً في تعامل أحمد الحريري معهم». فهو «محاط بفريق أمني وخدماتي، كسر قاعدة التعامل الفوقي التي اعتمدها أشخاص كانوا قد تسلموا مواقع مهمّة داخل التيار».
وبعد حالة التذمّر التي سادت أوساط التيار بسبب إعادة الهيكلة، وأدت إلى استبعاد عدد من الكوادر والمنسّقين، يُقرّ من بقي من موظفي «المستقبل» بأن الخطوة حقّقت صدمة إيجابية، عكس ما كان متوقّعاً. فعلى صعيد قطاع الشباب، الذي تسلّمه وسام شبلي، بدا واضحاً التغيير الذي بدأ يظهر، بعدما خرج من سياسة «الزبائنية» التي اعتمدها نادر النقيب. وقد نقل الأخير إلى المكتب السياسي شكلياً إرضاءً له، بحسب مصادر مستقبلية. كذلك حقق المسؤول عن العلاقات الخارجية في قطاع الشباب ربيع فخر الدين تقدّماً بارزاً، إذ استطاع نسج علاقات مع عدد من الأحزاب في دول أجنبية لها ثقلها. لكن ما يسجّل لفخر الدين توأمة عمله في قطاع الشباب مع قطاع الاغتراب في التيار الذي تسلمته المنسّقة ميرنا منيمنة التي تصول وتجول من مغتَرَب إلى آخر. قطاع النقابات لا يزال يعاني من بعض التقصير، إذ يشير مطلعون إلى أن «الأرقام التي صرفت في الانتخابات النقابية مبالغ فيها». بيد أن «المستقبل» لم يخرج كلياً من «خبصته»، فثمة عدد من الأشخاص لا يزالون يتسلمون بعض المواقع، رغم «الشكوك في أدائهم». لعلّ أبرزهم «عزت قريطم المشرف الإداري والفني على إعداد المهرجانات في التيار، والذي لم يتخذ قرار استبعاده ولا إقصائه».