طلال معلا*

لطالما كانت اللوحة مرآتي منذ عقود، أقرأ فيها وجهي وأفكاري ومواقفي، بل أقرأ فيها أشعاري وذاكرتي وما أستشفّه من مستقبلي وحرارة دمي وقدرتي على الرؤية. فيها أتلمس انكساراتي مهما صغرت أو عظمت من دون أن تؤثر الغباشات على تحملي ووعيي بالتجاوز، ومن دون أن أفقد ما تحدثه اللوحة من إنجازات لها شهيقها وزفيرها الخاص الذي يجعلني مشدوداً إليها باستمرار.

ما يجعل اللوحة مرآتي في تصوير الوجوه في شعرية صمتها وشعائرية تحققها باعتبار كل هذه الوجوه وجهي، فلطالما تأملتها ككيان متوحد بفرديتي وعوالمي السرية التي ترفض التفسير أو إضفاء المؤثرات التي تتكئ عليها الوجوه وهي تتفرس مخترقة نترات الفضة كمادة مرآتية تخلق الانعكاس وتجتذب العقل وتلغي فعل العين في مواجهة انعكاسها ووظيفتها في توليد الحياة. هنا بالضبط تتجرأ اللوحة لتأخذ مكانة المرآة وتستبدل الوجود الانعكاسي المؤقت بوجود أزلي يصل إلى حدود تحدي الموت باعتبارها كائناً حياً لا تجمد موجوداته بمجرد رحيل الأشخاص من أمامه أو رحيل المشاعر مع غياب المعالم وأوهامها عن صقالة سطحها البارد. 
لا تفاجئني المرايا وأنا أحاول أن أعقد المقارنات بينها وبيني، أو بين الضوء المنعكس في بريقها والضوء الداخلي لألوان لوحتي أو عمى وجوهي التواقة لرؤية بهائها القلبي وهي تملأ الكادر الإنساني بجاذبيتها المحيرة والمولّدة للدهشة. إنها الانقلاب على جنوني لاستثمار عمري في مراحله المختلفة ووجهي في تقلبه الفكري وتقلّب الأحوال حوله وكل ما يجعل الصدأ يمتد إلى البصيرة التي تأخذ من البصر حروفه ومن التشرد في أنحاء الخيال صدقية الخدعة الأزلية للمرايا التي تعيش في بلاهات الفراغ ما دمنا نقصيها عن أعماق بصائرنا وكل ما تستبدله من أقنعة لوجهنا في مواجهة حقيقته. 
ما زلت حتى اليوم أحدّق في لوحتي على أنها مرآتي التي أستسلم لها بوداعة وتراني أكثر وأعمق مما أراها. تتنفسني وتثبت خطواتي في رحلة باتت تنزع من بين أصابعي ريشي وألواني، لقد كان وما زال الوجه الإنساني الجزء الأساس في لوحتي منذ السبعينيات وهي الفترة التي تذكّرني بما يجري اليوم من قساوة تعبيرية وتشويه درامي يعكس نبض وصورة المتحوّلات. في المرآة، نحاول ألا نرى صورنا مبتعدين عما تقوله عيوننا. لا نريد أن نرى ما نفكر به، أو ما يؤثر فينا لبشاعته. في اللوحة الأسنان مطبقة، أفواه بلا شفاه مكممة ومغلقة، والتدقيق في هذه التفاصيل هو جزء من العنف الذي نتهرّب من رؤيته في المرآة. عنف مركب نمارسه ويمارس علينا. 
العجز سمة المتأملين سحناتهم المهزومة في مرايا الحاضر، المهزومون هم الذين نرى أقفيتهم في المرايا، إنّهم الذين يديرون ظهورهم للصورة نائين بوجوههم في غياهب الصمت عن كل قيمة إنسانية. وفي النهاية، فالكل يسمع صوتي ولا يأبهون لذاك الأخرس المنعكس في المرآة. لا شك في أنّ المنعكس في لوحتي هو الغياب الفادح للفعل في ملامح الوجوه، إلا أنّ ذلك لا ينفي أنها الشاهد على ما يحدث حولنا وعلى الصورة الداخلية للممسوسين الذين لا يعلمون أنّ ما يرونه في مراياهم لا يراهم، رغم أنّه يشبههم في كل شيء. 
ليس من المنطق أن تختبر المرآة في كل مواجهة لها، لكن هذا مطلوب في مواجهة اللوحة وعماء بياضها لأن التجربة تختبر حياتها وتختبر إمكاناتها للمضيّ في المغامرة المعرفية، وهو ما أحاول أن أقوم به اليوم رغم السواد الذي يفصلنا عن الرؤية. 
* تشكيلي وناقد سوري