لا يعني انتهاء مرحلة تسمية النائب تمام سلام رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة أن العصا السحرية فعلت فعلها في لبنان؛ فالدخول في مرحلة التفاؤل يستوجب إعادة القراءة لتطورات الأيام الأخيرة.

وبحسب أوساط سياسية، تبقى الأولوية اليوم في تلمّس التغيير الجوهري في موقف «حزب الله» من الترحيب باستقالة ميقاتي، أو بالأحرى الدفع بها إلى القبول الرضائي بتسمية مرشح بيت الوسط لرئاسة الحكومة العتيدة.

وفي اعتقاد هذه الأوساط أن حزب الله ارتضى، وسط ارتفاع الشحن المذهبي السني ـــ الشيعي في المنطقة، عدم الوقوف في وجه تسمية رئيس حكومة سني، اختارته السعودية، لسحب فتيل الاحتقان في الشارع من الجهتين؛ إذ لا يمكن المستقبل إلا أن يُطفئ نار الاحتقان بدوره في الشارع السني، لإمرار المرحلة الراهنة بأقل الأضرار كلفة، وخصوصاً بعدما تفاقمت الحوادث المذهبية في البقاع والشمال وصيدا. وبالنسبة إلى الحزب، إن تطور الموقف من جدوى الفراغ الحكومي وكلفته، إلى القبول بتسمية رئيس حكومة، في المرحلة الأولى، يعني حرصاً متقدماً على الاستقرار الداخلي بمعناه اللبناني والطائفي بين السنة والشيعة. لكن يعني أيضاً أنه يمكن الفهم أن انسحابه من الحكومة التي باتت تشكل عبئاً عليه وتنغّص عليه أداءه بفعل كثرة استهدافها، يخفف عليه الضغط الخارجي عربياً ودولياً، ما قد يؤدي لاحقاً إلى عدم مشاركته في أي تشكيلة حكومية، ليعود إلى الصفوف الخلفية، منصرفاً كعادته إلى دراسة هادئة بعيداً عن ضغط السجالات الحكومية لما قد يستجد من تطورات.
وحزب الله الذي يراقب بنحو حثيث التطورات الإسرائيلية على الحدود، واستخلاص نتائج زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لإسرائيل والأردن والضفة الغربية، مشغول بالوضع السوري واحتمالات ذهابه نحو تطور دراماتيكي، ولا سيما في ضوء بروز معطيات جديدة تتمثل باستخدام المعارضة السورية أنواعاً جديدة من الأسلحة المضادة للآليات، ما يجعل حركة الجيش السوري النظامي بطيئة، وارتفاع المخاوف من استخدام الأسلحة الكيميائية على جبهتي النظام ومعارضيه.
وإزاء ذلك، يمكن الحزب أن يقدّر تبعات هذه التطورات على الوضع اللبناني، ودراسة أيهما يشكل مظلة واقية لحركته وللبنان: الفراغ المتمادي في انتظار لحظة إقليمية مناسبة تعيد ترتيب أوراق النظام اللبناني كلها مجدداً على أسس وقواعد لا تشبه التي أرساها الطائف، أو تعبئة الفراغ مرحلياً برئيس مكلف، والغرق في البحث عن جنس الملائكة بين حكومة سياسية أو حكومة تكنوقراط، إلى أن ينقشع دخان الحرب السورية.
حتى الآن رجحت كفة الرغبة في الاستقرار الداخلي، من خلال تسمية سلام، وإقناع حزب الله حليفه العماد ميشال عون بالتسمية. لكن الحسابات الإقليمية للحزب لا يمكن في أيّ حال إقناع خصوم عون، لا بل بعض العونيين أيضاً، بأن الحزب لم يتخل عنه.
والمشكلة أن الحزب الذي أراد تحقيق التوازن بين عون، فدعمه في مشروع اللقاء الأرثوذكسي، مضطر إلى تغليب مصلحة التوازن السني الشيعي، الذي حاول النائب وليد جنبلاط تصوير نفسه على أنه عرابه من خلال تسمية سلام، الأمر الذي أفقد 14 آذار صبرهم، فبدأوا حركة مضادة لتأكيد طابع 14 آذار وحده في اختيار سلام، ومن ثم إقناع جنبلاط به لا العكس.
والمشكلة الثانية أن عون بحسب من يعرفه جيداً، سَكِر بنصر الأرثوذكسي قبل شهر من الآن، ولم يتقدم إلى قراءة المرحلة الثانية من الأزمة اللبنانية، على عكس ما فعله الحزب الذي طوّر موقفه ليلائم المستجدات المحلية والإقليمية. لذا، فقد عون رصيده من النقاط الذي جمعها خلال مرحلة المفاوضات لإقرار مشروع الأرثوذكسي، بعدما تمكن من فرض شروطه على خصومه المسيحيين. ولا سيما أنه في الآونة الأخيرة، خسر معركة الأرثوذكسي إلى أن أصبح معلقاً. وخسر الحكومة التي له فيها حصة وازنة من عشرة وزراء، لا يمكن أحداً أن يتفاءل بأن يحصل عليها عون في الحكومة الجديدة. وهو إذ ربح معركة عدم التمديد للواء أشرف ريفي، إلا أن ريفي أصبح مرشحاً لرئاسة الحكومة، ووزيراً للداخلية في الحكومة الجديدة، وإن رفض البعض تسمية سني لها. وكذلك خسر معركة عدم التمديد للواء إدمون فاضل، رغم أن التسوية قضت باقتصار التمديد على شهر واحد. وهو اليوم أمام معارك جديدة لتثبيت شكل الحكومة التي يريد المشاركة فيها، وتثبيت حصته في الحقائب التي يريد الاحتفاظ بها أو ضمها إلى جعبته.
ورغم أن عون قد يتحصن بأنه حقق للمسيحيين نجاحين في ضمان حصة مسيحية صافية في الحكومة، وفي تثبيت حقهم في المناصفة بعدما رفع لواء «الأرثوذكسي»، إلا أن ذلك لا يمكن أن يترجم فعلياً إذا لم تجر الانتخابات وإذا استمر الفراغ طويلاً من دون تشكيل حكومة.
وكلا الأمرين لا يزالان في مهب الريح. ففي ظل الحرص السني ـــ الشيعي على إعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية، ذهب المسيحيون إلى المغالاة في رفع السقف. فالقانون الانتخابي الموعود لم يرَ النور بعد، والانتخابات «تُرسم» لأن تجري على أساس قانون الستين بعدما عجز موارنة بكركي عن دفنه قانوناً؛ لأنه قد يكون أضمن من الفراغ، ولو نَعَته بكركي. إلا إذا كان الهدف من لقاء بكركي كما يردد قيادي من 14 آذار أن يتكفل البطريرك الماروني في الدفع لإلغاء الانتخابات، بعدما عجز الآخرون عن فعل ذلك، بمشاركة أركان من قوى 14 آذار أنفسهم. وها هو يستعد لأن يغادر الوطن إلى المهجر لمدة شهرين، تاركاً وراءه هموم الانتخابات وشجونها وخلافه مع رئيس الجمهورية الذي لم يلتق وفد مجلس المطارنة الموارنة، والمشروع الأرثوذكسي الذي رعاه ونفى رعايته له، معلقاً من دون أي احتمال للتصويت عليه، والموارنة من دون اتفاق على قانون انتخاب، والفراغ يدق أبواب اللبنانيين. ولعل هنا جوهر المقارنة؛ ففي أولويات حزب الله الاستقرار، ولو مرحلياً، لتعويم الالتقاء السني الشيعي... وفي أولويات بكركي احتفالية أميركا اللاتينية.