قد يكون عنوان المرحلة هو فعلاً «الانقلاب على الانقلاب». أي انقلابٌ أميركي سعودي حريري مضاد، على الانقلاب الإيراني السوري الحزبللاهي سنة 2011. وقد تكون المشهدية اللبنانية الجديدة نتيجة مباشرة لزيارة باراك أوباما اسرائيل، أو انعكاساً دقيقاً للموازين الجديدة في دمشق الذبيحة، او تعبيراً مكيافيلياً وقحاً عن قول منسوب إلى مرجع كبير، من أنه بات اليوم هو اللاعب الأقوى لبنانياً، لا لشيء إلا لأن حزب الله بات اللاعب الأضعف! قد يكون كل ذلك صحيحاً.


وقد يكون المسكين نجيب ميقاتي قد وقع ضحية عملية «بلف» كبيرة، إذ زينت له جهة خارجية ما، أن استقالته ستكون جزءاً من سيناريو تقمصي هزلي، مكتوبة فصوله بالكامل مسبقاً: يستقيل، فيتخفف من أعباء حزب الله وميشال عون، بعدها يؤازره ميشال سليمان ووليد جنبلاط للعودة بحكومة أكثر توافقاً، ثم يهب السفراء لنصرته، فيثبت في السرايا معوماً بموقفه «الريفي» ومدعماً برمي كل أثقال «حكومة الولي الفقيه وبشار الأسد». يكفي أن يقارن المشاهد بين صورة ميقاتي المستقيل ضاحكاً حتى الحبور في 22 آذار الماضي، وصورته وهو يعتذر بأسى المكسور أول من أمس، ليدرك بعض أسرار تلك البلفة، كما في لعبة بوكر بأوراق مفتوحة وعيون مغمضة...
وقد يطمح فريق الانقلاب المضاد الجديد إلى أن تنتج عن ذلك مرحلة انتقالية شبيهة بحكومة ميقاتي الأولى سنة 2005. فيأتي أشرف ريفي إلى الداخلية، و«انقلابي آخر» إلى العدل، وتكون الأمور اليوم أسهل بكثير من يومها، طالما أن ميشال سليمان مكان إميل لحود. فتجرى الانتخابات بأي قانون كان، ويربح الانقلابيون السلطة كاملة، حتى من دون «تحالف رباعي» هذه المرة.
قد يكون لتلك الأحلام لدى البعض، والأخطار لدى البعض المقابل، ما يبررها في النيات والواقع، إلّا أن ذلك يجب ألّا يحجب مسألتين اساسيتين: أولاً في المسؤولية الذاتية لتحالف عون - 8 آذار. وثانياً، في الأفق النسبي الذي لا يزال متاحاً، وخصوصاً مع اختيار تمام سلام.
في الأمر الأول، قد يبدو الكلام دقيقاً حساساً، مستوراً مقنعاً مرمزاً محملاً بالإيحاءات والإشارات، كمن يحاول التعبير مكموم الفم، بتلوع جسدي من شدة ألم، عن ألمه نفسه. صحيح أن مصادفة خارجة عن إرادة تحالف عون - 8 آذار، أدت إلى وأد وصوله إلى السلطة قبل أن يصل. مصادفة خير تعبير عنها أن حكومة ميقاتي حُبل بها على وقع اهتزاز حسني مبارك في كانون الثاني 2011، لتولد على وقع اهتزاز بشار الأسد في حزيران. مفارقة كافية وحدها، لفهم حالة الولادة الميتة لسلطة هذا التحالف. بعدها بدأ يتكون ثلاثي سليمان ـــ ميقاتي ـــ جنبلاط، بمهمة مهووسة وحيدة، عنوانها الانتقام من حليف حالي لمصلحة حليف سابق. لكن المسألة لم تنته عند هذا الحد. فلنقلها صراحة، وليغضب من يغضب، أن تحالف عون ــ 8 آذار سقط يوم أُسقط شربل نحاس. ويوم تُرك الرجل وحيداً بين ضربات هيئات الحريري الاقتصادية وهيئات الوصاية النقابية السورية، وبين تواطؤ ثلاثي بعبدا ــ السرايا ــ المختارة، وتشجيع كل جيف النظام على تصفيته. ذبحت فكرة حكومة التغيير، يوم ذبحت روح ثوريتها. وشربل نحاس يدرك تماماً أنه ليس ميشال عون من تركه يومها، ولا هو من أسقطه لحظتها، لا بل هو أكثر من أدرك في قراءة استرجاعية للأحداث، منذ لحظة وصول عون إلى مطار بيروت حتذاك، أن الرصاص كان مصوباً إلى رأسيهما، وأن الأقل حصانة أصيب أولاً. طُُعن تحالف عون – 8 آذار، يوم سُدت في وجهه المداخل الكبرى لتغيير النظام العفن، فمُنع حتى من ولوج النوافذ الصغرى لضخ دفعة أوكسيجين تحول دون موت فكرة التغيير. غُدر بهذا التحالف، حين مُنع شربل نحاس من إقرار بطاقة صحية، أو مصرف بلدي إنمائي. وحين عرقل جبران باسيل في كل فاصلة غازية أو نفطية أو كهربائية أو مائية. وحين حظر على فادي عبود إصلاح حتى تاكسي المطار. وحين صار ميشال عون يصرخ بلبنان دائرة واحدة، فلا يسمع جواباً ولا صدى من مدعي هذا الطرح منذ عقود. ضُرب تحالف عون – 8 آذار، قبل أن تتبدل الموازين الخارجية، وقبل بق البحص وقبل الأفواه المبكمة بمياه لا تُبلع ...
أما المسألة الباقية، فعنوانها تمام سلام. قد يمر وقت قبل أن نكتشف، وقد لا نكتشف لماذا اختار السعوديون أو سواهم هذا الرجل، لكن لنعترف منذ اللحظة، بأنهم في لحظة انقلابهم كانوا أكثر إنصافاً وإصابة في الاختيار، من تحالف عون – 8 آذار في اختياره لحظة انقلابه. فتمام سلام، اياً يكن من اختاره وأسبابه والأهداف، يظل صاحب تاريخ بيت سلام. فهو عروبياً سليل مؤتمر الساحل، لمن يريد المزايدة في هذا البعد. وهو لبنانياً وريث أعباء ميثاقية وتضحيات كيانية جسيمة، نسيها البعض أو يود تناسيها. من انتخاب أمين الجميل سنة 1982 وما تلاه من عض على جراح، إلى النفي عن لبنان في الزمن السوري وما رافقه من عهر سلاح. وصولاً إلى التضامن مع بكركي في أصعب لحظة سنة 1992 ومقاطعة الانتخابات النيابية، انتهاء إلى مواجهة الشراهة الحريرية نفسها والسقوط في مواجهتها سنة 2000. خط بياني واضح وصادم، لا يفسره إلا تمسك هذا البيت بميثاقية لبنانية عربية من النوع الخالص. إنها فرصة سلام، رغم كل شيء. فإذا لم يتمكن تحالف عون – 8 آذار، صاحب وثيقة التفاهم الميثاقي الأهم في تاريخنا المعاصر، أن يتفاهم مع ابن سلام، فمع من يمكن لقادة هذا التحالف أن يتفاهموا إذن؟ لا بل قد يكون التساؤل الأخطر، مع من يمكن لناس هذا التحالف أن يعيشوا ويحيوا ويجسدوا خبرية ميثاق العيش المشترك؟؟ حكومة انتخابية أم حكومة وحدة وطنية؟ حكومة إدارة الانتخابات الحاصلة أم حكومة إدارة الفراغ المقبل؟ مهما كانت القراءة، يظل من الممكن القول إن هناك ... فرصة سلام.