وسط الفشل الشعبي، لا تنفك قوى الرابع عشر من آذار طوال عامين، ومنذ خروجها من الحكم، تستغل أي حدث أو موقف أو تطوّر مفاجئ، لإعادة رفع أسهمها. كانت تبحث دائماً عمّا يُبرّد نارها. لم ينفعها يوم الغضب الذي أشعلته بعد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة السابقة، عقب إخراج الرئيس سعد الحريري من السرايا. كذلك لم ينفعها الدخان الذي يخرج متقطعاً من أقبية طرابلس، ولا حين انفلت شارعها لحظة الهجوم على السرايا الحكومية بعد اغتيال اللواء وسام الحسن.


وبعدما رفعت سقفها معلنة «الطلاق» مع فريق الثامن من آذار، ما لبثت أن رأت نفسها مجبرة على كسر قرارها، تحت ضغط عدد من الملفات، كان أبرزها ملف القانون الانتخابي. لطالما هلّلت هذه القوى لانتصارات وهمية لم تحرزها. كانت في حقيقة الأمر تدليساً واضحاً على القاعدة الشعبية المحبطة، وَلَيّاً لعنق الواقع الذي تعيشه.
رُب صدفة خير من ألف ميعاد. هذا هو القول الوحيد الذي يمكن أن يُوصف به فريق الرابع عشر من آذار حالياً؛ فقد أعطاه الرئيس نجيب ميقاتي فرصة للظهور بمظهر المنتصر. لكن كيف؟ لم تكُن خطوة رجل الأعمال الطرابلسي الذي «انشق» عن تيار المستقبل، بعدما أغرى كرسي الرئاسة الثالثة عينيه، متوقّعة. أهداها إليه في زمن «الغلاء» السياسي، بعدما جهد للحصول عليها في وقت «قحط» الدعم الدولي له. واستقالة ميقاتي كانت أول ملامح ردّ الاعتبار لتيار آل الحريري، كما قيل في أوساطه. عادت مكونات 14 آذار لبسط أجنحتها من جديد، على اعتبار أن «بإمكانها العودة إلى صلب المعادلة السياسية». باتت فرصة تسمية رئيس جديد للحكومة بين يديها. لم تكُن قوى الرابع عشر من آذار، وتحديداً تيار المستقبل، وعلى رأسه الشيخ سعد الحريري، تريد ترشيح النائب تمّام سلام للمنصب الذي يحلم به صباحاً ومساءً الرئيس المغترب. لكن «الزنّ» السعودي في أذنه فعل فعلته. في أقل من أسبوع أبلغ الحريري موافقته، وأعطى الـ«أوكي» لتياره وحلفائه للتحضيرات. لكن الشيخ الذي أبعده البيك البيروتي مجدداً عن «حلمه»، لم يدع «الخبرية» تمُر دون استثمارها، إلى درجة أنه هيّأ لسيناريو من النوع الذي يخدع العين، حاول فيه أن يصوّر أن تسمية سلام، وموافقة النائب وليد جنبلاط عليه هو انتصار طال انتظاره، إلى درجة وصلت إلى حدّ التسويق لفكرة أن «رئيس الحكومة المُقبل، هو رئيس من صلب 14 آذار، وحريريّ بالدرجة الأولى». فعلاً، نجح العرض «الآذاري» منذ لحظة وصول سلام إلى مطار بيروت، وبعدها إلى بيت الحريري، في تكريس هذه الفكرة. فكرة أن سلام هو في صلب 14 آذار، وفي مقدّمة «صقوره»! رُبما، كان الهدف الذي سعى إليه تيار المستقبل بهذه الخطوة بغض النظر عن موقف حلفائه هو «حشر» فريق الثامن من آذار، ودفعه إلى مقاطعة الاستشارات النيابية وعدم المشاركة في الحكومة، الأمر الذي يؤدي إلى تأليف حكومة «14 آذارية». إلا أن رياح 8 آذار جاءت بعكس ما اشتهته سفن «قريطم»، وبالتالي قطعت على المستقبل الطريق في تحقيق ما يريد، وأردت أرضاً ما حاول الحريري تصويره انتصاراً، بعدما حوّلت سلام إلى مرشّح توافقي فعلاً لا قولاً! والدليل على أن تيار المستقبل كان يتجه إلى حكومة «مواجهة»، بعكس الحكومة الإنقاذية التي دعا إليها حلفاؤه، ولا سيما القوات والكتائب، هو طرحه لاسم اللواء أشرف ريفي رئيساً للحكومة الجديدة.
يُحكى في أوساط 14 آذار اليوم عن خطأ تكتيكي ارتكبه الحريريون، من خلال اتصال الشيخ سعد بجنبلاط، لعرض اسم ريفي عليه. الأوساط هذه تتحدّث عن أن «هذه الخطوة أدت إلى إعادة تكبير دور زعيم الدروز»، علماً بأن «فريق الرابع عشر من آذار، كان بغنىً عن تقديم هدية مجانية إليه في هذه اللحظة السياسية». وترى أن «تسمية ريفي تتناقض عملياً مع شكل الحكومة التي دعت إليها مكونات فريقنا، وهي حكومة التكنوقراط»؛ فـ«ريفي يصلح لحكومة مواجهة لا حكومة حياد». تنتقد الأصوات تيار المستقبل الذي «كان من المفترض أن يكون منسجماً مع نفسه، وأن يذهب باتجاه تسمية الشخص الذي يتناسب مع المرحلة، وتنطبق عليه مواصفات شكل الحكومة التي طرحها فريق 14 آذار وأصرّ عليها». لم تبلع هذه الأصوات «هفوة» الحريري، مشيرة إلى أنه «كان من الأجدى التفكير بأسماء يمكن فريقَ الرابع من آذار أن تكون لديه القدرة على إيصالها، ويكون رافعة لها»، وبالتالي «يكون دور جنبلاط مكملاً لها». هذا الحجم الذي أعيد إلى بيك المختارة، أزعج بالتحديد حلفاء الحريري المسيحيين، الذين «يدركون بخبرتهم السياسية التي يفتقدها الوارث أن قدرة جنبلاط الحالية وهامشه السياسي لا يتجاوزان تسميته شخصية وسطية».
يتهرّب مقربون من الحريري كالعادة من تبرير أخطائه. ينتقلون من الخطأ إلى النتيجة التي جرى التوصّل إليها، «تسمية سلام رئيساً للحكومة». لا عيب في أن يحظى صاحب البيت العريق بكل هذا الاهتمام؛ إذ هناك «حقائق لا يُمكن الخروج منها». أبرزها أن «سلام هو عضو في الائتلاف الآذاري العريض، وليس صنيعة تيار المستقبل». وبالتالي «إن مواقفه الحيادية والمعتدلة ورفضه أن يكون رأس حربة داخل هذا الائتلاف، يدحضان كل الأحاديث التي تحاول أن تضعه في خانة محدّدة». لكن لماذا تمّام سلام دون غيره؟ فهل هذه محاولة خبيثة من قبل المستقبل لإقفال بيت سلام السياسي بطريقة لائقة، تمنعه من العودة كنائب إلى البرلمان وهو في قمّة السعادة، متأثراً بسكرة رئاسة الحكومة، وخصوصاً أن حكومته مؤقتة، بمهمات محدودة تنحصر بالإشراف والتحضير للانتخابات؟ مجدداً تتهرب مصادر الحريري من الإجابة، عبر الذهاب إلى فكرة أخرى تهدف من خلالها إلى إظهار نية فريق الرابع عشر من آذار الطيبة. فـ«لو كان فريقنا يريد الذهاب إلى حكومة اللون الواحد، لما سمّى تمام سلام». بل وأكثر من ذلك، تؤكّد هذه المصادر أن «تسميته كانت مطلباً مشتركاً مع حزب الله بنحو غير مباشر»؛ إذ إن «الأخير يسعى إلى إعطاء انطباع بأن رئيس الحكومة الجديد لا يجري تكليفه في الضاحية الجنوبية، ولا يأتي بأمر من طهران ودمشق، بل من مراجع سنيّة مؤهلة». وهذا يعني أنه «يريد فض أي اشتباك من خلال تسمية شخصية تنتمي إلى بيئة سنّية حاضنة، وفي الوقت نفسه لا تقف في مواجهته». التبرير الوحيد الذي استطاع «الحريريون» تقديمه، كان للصورة التي ظهرت أول من أمس في منزل الرئيس سعد الحريري في بيروت، بالقول إن «المستقبل كان بحاجة ماسّة بعد الطريقة التي أخرج بها سعد الحريري من الحكومة والانقلاب عليه، وتبديل مواقف جنبلاط، لأن يعيد التأكيد أن لرئاسة الحكومة عنوانين: منزل الحريري في بيروت، ومنزله في الرياض».