مع بدء خروج الدخان الأبيض من بيروت والرياض، منذ يوم الأربعاء الماضي، لتكليف النائب البيروتي تمام سلام تأليف الحكومة، بعد استقالة الرئيس نجيب ميقاتي، بدت طرابلس وكأنها غير معنية بالحدث، بعدما كانت في قلبه منذ تكليف ميقاتي تأليف الحكومة في 25 كانون الثاني 2011.


منذ ترجيح كفة سلام دخلت طرابلس في غيبوبة. لم تشهد «يوم غضب» مثلما حصل يوم كُلّف ميقاتي تأليف الحكومة. كما لم تُرفع لسلام صورة واحدة في المدينة التي يصفها النائب محمد كبارة بـ«عاصمة السّنة». فإذا بها اليوم خارج دائرة القرار بما يعني قضية السّنة الأولى، سياسياً، وهي رئاسة الحكومة.
العاصمة الثانية بدت أمس وكأنها واحدة من مناطق الأطراف، بعدما رجعت في عهد ميقاتي إلى رأس السلطة إثر سنوات عجاف طويلة. فإلى جانب غياب الصور واللافتات التي ترافق عادة تبدّل العهود، غاب الاستحقاق الحكومي حتى عن خطب الجمعة. والمفارقة أنه في السابق، كان «الناشطون» من أهل المدينة وخطباء مساجدها يقيمون الأرض ولا يقعدونها، تأييداً أو رفضاً لتسمية هذا أو ذاك لتشكيل الحكومة.
حتى تيار المستقبل الذي يعتبر نفسه الرابح الأكبر من استقالة حكومة ميقاتي والمجيء برئيس حكومة سمّاه هو للمنصب، لم تظهر عليه علامات النصر، وهي علامات كان يتوقع لها أن تكون مختلفة وصاخبة لو كان الحريري هو المكلف أو عمته النائبة بهية الحريري، أو الرئيس فؤاد السنيورة، أو ابن طرابلس اللواء أشرف ريفي.
يتعامل التيار الأزرق في عاصمة الشمال بواقعية مع تسمية سلام. هو «حليفنا، وعبره سنعود إلى السلطة»، على حدّ قول مصدر في التيار. لكن هذا الارتياح لا يُعبّر عنه بلا إبداء مشاعر الريبة والحذر من احتمال «انقلاب سلام علينا كما فعل ميقاتي، لأن من اكتوى بالحليب ينفخ في اللبن!».
ويشير المستقبليون إلى أن سلام «كان عضواً في اللقاء الوطني بعد انتخابات عام 2000، الذي ضمّه وميقاتي والنواب السابقين طلال المرعبي وعبد الرحيم مراد وجهاد الصمد ليكونوا ندّاً للرئيس رفيق الحريري في طائفته»، وهو بحسبهم «لن يكون لنا وحدنا، بل لنا ولهم، لذا فإن عودتنا إلى السلطة كاملة لا تزال ناقصة».
هذا القلق غير الظاهر على سطح التيار الأزرق حتى الآن، يخيم مقابله إحباط في صفوف مناصري ميقاتي، برغم محاولة بعضهم التخفيف من وقع «الصدمة» عليهم بقولهم إن ميقاتي «عائد لرئاسة الحكومة مجدداً بعد الانتخابات النيابية».
بعض الذين يدورون في فلك ميقاتي كما بعض خصومه في طرابلس، التقوا على أن الرجل «تلقى ضربة موجعة باستبعاده عن التكليف بعدما كان موعوداً بذلك، إثر تغيّر بعض المعطيات الذي لم تكن في الحسبان».
يتوقف الطرفان عند «حركات يدي ميقاتي بعصبية» خلال لقائه الأخير مع السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري، كما أظهرتها محطات التلفزيون، للدلالة على أن ميقاتي «لم يكن مرتاحاً لموقف السعودية بالتخلي عنه، برغم كل ما قام به من أجلها وأجل جماعتها في لبنان، وهو كان يتوقع العكس منها».
لكن مراقبين اعتبروا أن ميقاتي «أخطأ عندما اطمأن أكثر من اللزوم إلى أنه باق في السرايا، قبل أن ينقلب عليه من عوّل عليهم بدعمه لحسابات خاصة لديهم»، قبل أن يسألوا: «هل هناك عاقل في السياسة في لبنان يسحب يده من يد حسن نصر الله ليضعها في يد وليد جنبلاط؟».
وإذا كان من يدورون في فلك ميقاتي لا يستبعدون «عودته مرة ثالثة للسرايا الحكومية الكبيرة بعد الانتخابات»، فإن خصومه يقللون من هذه الحظوظ مستندين إلى أن ميقاتي «عندما خرج من السرايا بعد انتخابات 2005، كان يغادر وآمال عودته إليها كانت كبيرة، إنما اليوم فإنه يخرج والآمال تكاد تكون معدومة».
يُعدد خصومه بعض سقطاته من وجهة نظرهم. فهو لم يدشّن مشروعاً تنموياً واحداً في مدينته منذ تأليفه الحكومة، ولم يوسّع إطار حركته السياسية الوسطية باستقطابه وجوهاً سياسية جديدة إليها، وخسر أقرب حلفائه إليه الوزير محمد الصفدي الذي يقول اليوم في قرارة نفسه لو بقيت مع تيار المستقبل ولم أتحالف مع ميقاتي لكنت اليوم أنا رئيس الحكومة المكلف. وزايد أمام فريق 8 آذار على تيار المستقبل تحت شعار أنه لا يستطيع أن يواجه الشارع السّني، مع علمه أن تيار المستقبل ليس ممنوناً له على كل ما يقوم به، ومعرفته ما كان يصله من أصداء عن القاعدة الزرقاء في طرابلس، من أنها لن تنتخبه والسما زرقا حتى لو طلب منها الحريري ذلك.
يُقارن خصوم ميقاتي ومن يدورون في فلكه ما حصل معه وما حصل مع بني أميّة. يقولون إنه «عندما سئل أحدهم لماذا سقطت خلافة الأمويين، أجاب: لأنهم اتبعوا سياسة إهمال حلفائهم لأن ولاءهم مضمون، وتقرّبوا من خصومهم طمعاً برضاهم، فكانت النتيجة أنهم خسروا الإثنين معاً، وهذه هي حال نجيب ميقاتي اليوم».