كان وجه الرئيس نجيب ميقاتي اول من امس شبيهاً بوجه سلفه، الرئيس سعد الحريري، يوم أطاحته قوى 8 آذار قبل أكثر من عامين. لكن الفارق الأساسي بين الرئيسين، المستقيل والمقال، يكمن في أن ميقاتي يجهز نفسه لمغادرة السرايا الحكومية، من دون ان يكون على جدول اعماله إزاحة شرشف أبيض عن تمثال لوالده. فقبل سنتين ونيف، كان تمثال الرئيس رفيق الحريري المنتصب فوق التل المطل على ساحة رياض الصلح، آخر ما ظهر من إنجازات الحريري الابن في حكومته التي لم تعمّر طويلاً.


وجه شبه آخر بين الرئيسين: في عام 2011، كان الحريري يحمل شعوراً بالحقد على ميقاتي الذي «سمح لنفسه» بالجلوس على كرسي الرئاسة الثالثة. لا شك أن ميقاتي يشعر (على أقل تقدير) بالأسى من «قلة الوفاء» التي عامله بها الحريري. فطوال عامين، جهد الرئيس الطرابلسي لتنفيذ كل رغبات الحريري وفريقه السياسي في السلطة، حتى تلك التي لم يكن الرئيس المنفي طوعاً قادراً على تحقيقها. وآخر هذه «المكرمات» الميقاتية، استقالة الحكومة كرمى عيني اللواء أشرف ريفي.
الحاج نجيب يرفض الحديث عن «قلة وفاء» الحريري والسعودية، التي طلبت منه على نحو واضح السعي إلى التمديد لريفي. كعادته، يشكر السعودية، التي «أرادت إعادة تسميتي لرئاسة الحكومة، لكن الرئيس الحريري امتنع»، بحسب ما يؤكد لـ «الأخبار». وعندما يصل الحديث إلى سلفه، يقول الرئيس المستقيل إن تربيته وأخلاقه تمنعانه من الحقد على أحد، او السعي إلى الانتقام من أحد. وفي الأصل، لا يعترف ميقاتي بأنه راعى مصالح الحريري وتياره خلال العامين الماضيين، ويرفض مقولة أنه لم يحكم خشية استفزاز خصومه: «أنا أخذت دور تيار المستقبل و14 آذار في الحكومة، لأن الحكم في لبنان قائم على التوازن. ولو ان أكثرية الحكومة كانت من فريق 14 آذار، لأخذت دور 8 آذار تحقيقاً للتوازن».
يرفض ميقاتي لوم النائب وليد جنبلاط الذي خذله: «أتفهّم موقفه. وخياره صائب. انا استقلت لفتح كوة في جدار الأزمة. وتوقيت استقالتي يثبت أنني «ميقاتيّ» بالجينات (جدّه الأكبر كان يحدّد مواقيت الصلاة في عهد السلطان سيف الدين قلاوون المملوكي، فسمي بالميقاتي)».
يقول إنه مرتاح. وللأمانة، بدا عليه الارتياح يوم أمس، خلافاً لليوم الذي سبقه. لا يزال في السرايا، يتابع «تصريف الاعمال». يقول إنه ارتاح بعدما وصل «إلى الشاطئ. كنا انا ووليد جنبلاط في مركب واحد. انا ارتحت». هل تقصد ان جنبلاط غرق؟ «أبداً، لكنه لا يزال في البحر». وهل من لقاءات مستقبلية ستجمعكما؟ «لمَ لا؟ اللحمة بيننا مستمرة».
لا يزال مصراً على غياب أي تأثير خارجي عن قرار استقالته. الوضع العام بات متشنجاً، و«انتاجية الحكومة لم تعد مرضية، فاستقلت». ورداً على سؤال عن موقف «أصدقائه البريطانيين»، قال إنه أقنعهم بوجهة نظره لناحية ضرورة تسمية شخص غيره لرئاسة الحكومة. اما السعودية، فينوي زيارتها قريباً لأداء العمرة. «بكّير بعد على التواصل السياسي. كنت أمس أقول لزوجتي إنني راغب في أداء العمرة، لكن إذا ذهبنا الآن، فستأخذ الزيارة أبعاداً اخرى. إذا أجريت خلالها لقاءات سياسية، فسيقال إنني استغللت العمرة سياسياً، وإذا لم ألتق أحداً، فسيُقال إنني ذهبت ولم يستجب المسؤولون السعوديون لي، لكنني مصر على أداء العمرة وزيارة الرسول»، لكنك ستغضب السلفيين بزيارة قبر الرسول؟ يبتسم معلناً إصراره على «التبرك بزيارة الرسول».
كعادته، معظم إجاباته متحفظة. يذكّر بأنه قال إنه سيترشح إلى الانتخابات، لكنه الآن ينتظر القانون. يتكتم على موقفه بشأن احتمال العودة إلى تحالف عام 2009 الانتخابي في طرابلس. يفسر قراره بوقف عمل ماكينته الانتخابية في عاصمة الشمال بعدم وضوح الرؤية في ما يخص قانون الانتخابات. هل تخشى الترشح إذا اعتمد قانون أكثري؟ «ما قدمته لطرابلس، وخاصة على المستوى الاجتماعي، يجعلني مطمئناً. وانا لا اخشى الترشح وفقاً لأي قانون، لأن أهل طرابلس أوفياء».
على المستوى الحكومي، يفخر بما حققته الحكومة! يعدد «إنجازاتها»: سلسلة الرتب والرواتب كمطلب تاريخي، التعيينات القضائية، والتشكيلات الدبلوماسية التي مضى زمن من دون إنجازها، تمرير قطوع الأسير وآل المقداد وعرسال ومقتل الشيخ عبد الواحد في عكار واغتيال اللواء وسام الحسن... «لكن الوضع في لبنان والمنطقة منعنا من إنجاز ما هو أفضل». يبدو مغتبطاً بما أُنجِز في وزارة الطاقة، في ملفي النفط والكهرباء. «فالوزير جبران باسيل متعب أحياناً عندما لا يكون هناك مجال للنقاش معه، لكنه انجز الكثير، وخاصة في مجال الاستثمار لإنتاج اكثر من ألف ميغاوات، وهو محق عندما يقول إننا سنصل بفضل ما أُنجز إلى 24/24 ساعة كهرباء عام 2015». تبدو علاقته بوزير المال محمد الصفدي غير سوية. «هل فاجأك سلباً أداؤه في الوزارة؟» ينفي مبتسماً. ما نصيحتك للرئيس تمام سلام؟ سأقولها له مباشرة، لن أفصح عنها. وماذا عن ازمة دار الفتوى؟ «سننتظر رأي رئيس الحكومة». الاستقالة لم تغيّر واحدة من أبرز عادات الرئيس نجيب ميقاتي: التهرب من الإجابة عن الأسئلة المحرجة.