دكّ الجيش السوري معاقل «المعارضة المسلّحة» في ريف القصير، فتألّم بعضُ طرابلس. وعلى إيقاع العمليات العسكرية في الريف الحمصي الجارية منذ أيام، غفت المدينة اللبنانية تترقّب ردّ فعلٍ ما. ارتبطت طرابلس بالقصير منذ بدء الأزمة السورية. خصوصية العلاقة مردّها أن العديد من أبنائها خرجوا إليها ضُمن ما يُعرف شمالاً بـ«رحلات الجهاد».


وقد سقط منهم على أرضها «عشرات الشُهداء» في غير مقام. ليس هذا فحسب، لا يزال كثيرون منهم محاصرين هناك، وتحديداً في «قلعة الحصن» الكائنة في ريف حمص. أمام كل ذلك، كان القلق يتآكل العديد من أهالي طرابلس ممن ينتظرون خبراً عن مصير أبنائهم الغائبين أو الذين يُجاهدون هناك. لم تنسحب هذه الحال على الجميع، ولا سيما أن عاصمة الشمال تشهد منذ أيام هدوءاً حذراً نتيجة الخلاف المسلّح بين عشيرة آل حسّون وتنظيم «جند الله» الذي يقوده الشيخ كنعان ناجي. وقد حرص معظم رجال الدين على الهدوء بعدما كادت الأمور تفلت من أيديهم.
ليل الفيحاء أمس لم يُشبه غيره. شُدّت أنظار الجميع فيه إلى قرى الريف السوري. انقسم هؤلاء بين مؤيدٍ ومعارض، لكنّ ساحة المعركة اقتصرت على فضاء «الواتسآب». اختلطت الحقيقة في مضمون هذه الرسائل بين من يتحدث عن «معارك طاحنة يخوضها الإخوة في جبهة النصرة، مسطّرين أروع البطولات»، يقابلها رسائل تذكّر باللجوء إلى أضعف الإيمان: «ضرورة الدعاء القلبي للإخوة المجاهدين الذين يذبحهم حزب اللات». هكذا جهد الساهرون لاستنهاض تحرّكٍ ما نُصرةً لـ«إخوان الدين المحاصرين في القصير»، لكن أحداً لم يتحرّك. أمام ذلك، تضاعفت وتيرة الرسائل لتبلغ ذروتها قرابة الثامنة مساء، فركّزت بمعظمها على «إعلان النفير» والعبارات الاستفزازية كـ«نحن نساء بلحى»، ثم لجأ مُطلقو الرسائل إلى نشر ما مضمونه أن «العفيفات الطاهرات يُغتصبن وأبناء جلدتنا يُقتلون ونحن نيام والله لا خير فينا». ذكّر أحدهم المدعو «أبو بكر المهاجر» بـ«إغاثة المعتصم للامرأة التي صُفعت على وجهها»، مناشداً «رجال بن لادن والاستشهاديين التدخل لردع حزب اللات». وأشار آخر، نقلاً عن قائد ميداني في القصير، الى أن «الأمور سيّئة جداً بعدما بلغ عدد الشهداء ١٥٠، إضافة إلى ٤٠٠ جريح»، داعياً كتائب المعارضة المسلّحة الموجودة في تلكلخ لـ«ضرب مناطق العلويين للتخفيف عنهم». ليس هذا فحسب، بل وجّهوا نداء إلى «أهل السنة في لبنان»، مطالبينهم بأن «ينتفضوا ويهبّوا لنصرتهم لأنهم على شفير السقوط». أما ما تناقلته الرسائل عن تحرير «الجيش السوري الحر» للمناطق التي سيطرت عليها قوات النظام، فنفته رسائل أخرى ذكرت أن «قوات النظام وحزب الله يحاولون تثبيت أقدامهم في عين التنور لينطلقوا منها إلى القصير، بعدما أصبحوا على مشارف قرية الموح»، بحسب ما نقلت رسالة حملت توقيع «أبو عمر منصور». وبين هذه وتلك، برزت رسائل تدعو إلى «توحيد القوى من لبنان وسوريا والانقضاض بهمّة رجل واحد لجعل الحدود الشمالية منطقة عسكرية للمجاهدين». وأخرى توجهت إلى «مشايخ السلفية، إضافة إلى الشيخ أحمد الأسير وأسود السنّة» لـ«الوفاء بوعودهم في نصرة الشعب السوري».
في المقابل، تردد أنه انتقاماً لما يجري في ريف حمص، «نفّذت كتيبة شهداء بابا عمرو عملية عسكرية تمكنت فيها من تحرير حاجز نعمات على الحدود اللبنانية السورية». وذكرت المعلومات أن «المجموعة فجّرت المبنى الذي يشغله الجيش لقطع طريق جوسيه».
لهيب الجمر بقي كامناً تحت الرماد. إذ ذاك، ماذا هم فاعلون؟ تساؤلٌ يرد عليه أحد المشايخ السلفيين لـ«الأخبار» بأنه «لا وجود لجبهة النصرة في القصير»، ليخلُص إلى «استبعاد أي احتمال لعمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية لتطال أهدافاً لبنانية»، علماً بأن مصادر المعارضة السورية نقلت معلومات إلى «الأخبار» تؤكد وجود مجموعات تحمل راية «جبهة النصرة» في كل من جوسيه والقصير.