ينشغل لبنان بتداعيات القرارات السعودية في حقه، وبالحملة التي يشنها مناصرو السعودية في لبنان للدفاع عنها، لكن الحدث السوري اليوم يطغى على الحدث اللبناني، الذي يرى سياسيون انه لم يكن ليتم على هذا المستوى من الحدة لولا ما يجري من تطورات ميدانية وسياسية في سوريا.
مع سريان وقف اطلاق النار في سوريا، بحسب ما نص عليه الاتفاق الذي اعلنته واشنطن وروسيا، وهو الاول من نوعه بينهما، على هذا المستوى، في شأن الحروب الدائرة منذ خمس سنوات، بدأ الحديث عن اتفاقات سياسية يجري العمل عليها تتعلق بمصير النظام السوري. فوقف النار، ليس مجرد عملية عسكرية وامنية برعاية غربية، انما هو جزء من الاتفاق الذي توصل اليه الرئيسان باراك اوباما وفلاديمير بوتين، والمتعلق بالعملية السلمية التي يفترض ان تجتازها سوريا وفقا لبيان اجتماع ميونيخ. وقد ربطت تقارير غربية وصلت الى أوساط لبنانية، بين الاتفاق لوقف النار والعملية السياسية، يمكن ان تمتد منذ لحظة وقف النار وصولا الى تغيير النظام السوري، رغم النفي الروسي والتحذير من اي خطة اميركية بديلة عن وقف النار.
قبل الاعلان رسميا عن اتفاق وقف النار ونشر نصه عبر الدوائر الرسمية، باشر بوتين واوباما ووزيرا خارجيتيهما سيرغي لافروف وجون كيري، اتصالاتهما ولقاءاتهما، من اجل تحييد الدول الاقليمية سواء تلك الداعمة للنظام السوري او تلك الرافضة بقاءه في شكل مطلق. فرضت واشنطن وموسكو قيودا على التحرك التركي وتدخله مع المعارضين السوريين، وابلغتا انقرة انهما لن تسمحا لها، بعد تدخلها الطويل في حروب سوريا باي دور عملي ولا سيما في استمرار دعمها للمعارضين السوريين في المرحلة الاولى لتطبيق الاتفاق، لكن قد تجري الاستعانة بها خلال المرحلة الثانية من الاتفاق اي التي تشهد شن حملة عسكرية على تنظيم الدولة الاسلامية، فقط لا غير.
وابلغت الدولتان الراعيتان لاتفاق الهدنة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الامر نفسه، اضافة الى ابلاغ الجانب الاميركي لها ولتركيا ضرورة قطع اي مساعدات عسكرية ومالية للتنظيمات السورية المعارضة مهما كانت هويتها، فيما تولت روسيا ابلاغ ايران ضرورة قبول الاتفاق وعدم عرقلته. وابلغت ايضا جميع الاطراف المتورطة بالحرب السورية ان الدولتين ستتعاملان بحزم مع الدول والاطراف المحليين في سوريا الذين يعرقلون وقف النار.
لكن هذا الابلاغ لا يعني ان الدول المعنية اعطت موافقتها على الخطة الاميركية الروسية، وتحديدا السعودية وتركيا اللتين اشترطتا مسبقا تغيير الرئيس السوري بشار الاسد تزامنا مع وقف النار، فيما تتضمن خطة اوباما وبوتين مرحلة سياسية تلي وقف النار. بعد اسابيع من المفاوضات التي يجريها الديبلوماسيون الاميركيون والروس، جل ما تحقق حتى الان منع السعودية وتركيا من اي عمل بري في سوريا، وتاليا تراجع الحديث في شكل نهائي عن اي حرب برية في سوريا تقودها الدولتان اللتان تتنافسان على زعامة محور الدول السنية في المنطقة.
اما ايران التي تدفع كلفة مالية عالية لحربها في سوريا، اضافة الى تورط حزب الله في سوريا والثمن الذي تدفعه واياه في مقتل عناصرهما، فقد اعطت موافقتها المبدئية على الخطة الروسية، في ظل استمرار الاسئلة حول نهائية موقفها من الاتفاق بصيغته الكاملة اي مصير النظام السوري، لا وقف النار فحسب.

لا تتجاهل موسكو وواشنطن احتمال إحباط دول إقليمية أيّ اتفاق نهائي في شأن سوريا

وتشمل الخطة في شق اساسي مصير النظام السوري الذي لا تمانع موسكو تغييره، وفقا لهذه التقارير، خلافا للانطباعات العامة التي ترافق تدخلها العسكري في سوريا. فروسيا التي بدأت عملية استثمار واسعة لجيشها في سوريا، انما تضع الى جانب خططها العسكرية عملية ممنهجة في تعيين رموز ومفاتيح في المناطق التي تستعيدها مع الجيش السوري، الذي تعول عليه واشنطن وروسيا معا، وعلى عدم انفراط عقده، وهو ما بدا واضحا في نص اتفاق وقف النار الذي اعطى للقوات المسلحة السورية دورا في قصف التنظيمات الارهابية الى جانب دول التحالف، اذ لا تزال تجربة الجيش العراقي والعمل على تفكيكه واعتراف واشنطن بخطأ ما فعلته حين سمحت بانهيار هذا الجيش، ماثلة امام جميع العاملين على خطوط التسوية السورية، والمحللين والخبراء الاستراتيجيين منذ ان بدأ الحديث عن تغيير النظام السوري. لذا يبدو منطقيا بالنسبة الى هؤلاء عدم تكرار التجربة والمس بتركيبة الجيش السوري ووضعيته.
اضافة الى ان روسيا بدأت عملية اتصال وتنسيق مع مجموعات واقليات سورية ذات انتماءات عرقية وطائفية معينة، على الارض في اطراف من سوريا بغية التنسيق العملاني وإعداد اطار ما بعد تثبيت وقف النار.
وبحسب التقارير فان خطة روسية اميركية تقضي بتأمين عملية انتقال سلمية سبق الحديث عنها، تزامنا مع سيطرة القوات السورية "الموالية لروسيا" في مناطق عدة في سوريا في مواجهة التنظيمات الاصولية. وهذا الامر سيترافق في الوقت نفسه مع الإعداد على مستوى رفيع بين البلدين وفي ظل قيادة التحالف للقيام بعملية عسكرية واسعة ضد تنظيم داعش والنصرة واي تنظيمات توضع على لائحة الارهاب الدولية، او حتى التي لا تلتزم وقف النار. وستبدأ العملية التي يعد لها على مستوى رفيع بين قادة الدول المعنية مباشرة، حملة جوية مركزة يجري التمهيد لها مع تحسن الاحوال الجوية، مع كل دول التحالف في ضربات مركزة وكثيفة من اجل تضييق الخناق على هذه التنظيمات وشل قدرتها على التحرك تمهيدا للقضاء عليها. وتشير هذه التقارير الى ان الطرفين الروسي والاميركي يحشدان الدول الحليفة، ديبلوماسيا وماليا وعسكريا، من اجل العملية العسكرية ضد داعش والنصرة، وباشرا وضع اجندة عسكرية مفصلة لهذه العملية التي يجب ان تبدأ مع فصل الربيع، ولا يتوقع ان تنتهي قبل اشهر قليلة، تجري فيها في الوقت نفسه عملية الإعداد لما بعد الاسد.
لكن هذا لا يقلل من خطورة واهمية مواقف القوى التي يمكن ان تعرقل مثل هذه الخطة المشتركة. بعض القوى يعترض على الشق السياسي والبعض الاخر على الشق العسكري. فالموقف الايراني لا يزال متريثا في التعامل مع التحرك الروسي الواسع النطاق سياسيا، وخصوصا ان روسيا تحاول ان تسحب سوريا من يد ايران، بحسب التقارير الغربية، وتعمل على تطبيق استراتيجتها فيه، بما يمكن ان يتوافق مع سياستها العامة في الشرق الاوسط وفي اكثر من نقطة نزاع حاليا سواء في اوروبا الشرقية او حتى في شمال افريقيا وليبيا تحديدا. ولا يخرج ايضا موقف حزب الله، الضالع مباشرة في الحرب السورية وفي دعم الاسد عن اطار الاسئلة حول الارتدادات التي ستخلقها اي ترتيبات اميركية روسية حول سوريا عليه. من دون ان تتجاهل موسكو وواشنطن احتمال قيام اي من الدول الاقليمية ايضا، بإفشال اي اتفاق نهائي في شأن سوريا، وخصوصا اذا لم يكن يصب في نهاية المطاف في مصلحتها، ولم يكن لها حصة وازنة فيه.