شاب في العقد الرابع من عمره. الآن هو جثّة ملقاة على الأرض. داخل منزل. إلى جانبه تتمدّد جثّة شقيقه الضابط في الجيش. فيرونيكا وفرانكا، فتاتان فرنسيّتان، تنامان عاريتين قربهما... كجثّتين. الكلّ مضرّج بدمه. زجاجات المشروبات الكحوليّة، المستهلكة، موزعة حول الجثث. هكذا يكتمل المشهد «الفضائحي» كما أراده «المُخرجون». الزمان، إنّه الحادي عشر من تشرين الأول عام 1977. المكان، هنا اليمن، في إحدى نواحي العاصمة صنعاء. لقد جرت تصفية رئيس الجمهوريّة العربيّة اليمنيّة إبراهيم الحمدي.
قبل 5 سنوات، أي بعد 34 عاماً على تلك الحادثة، ستخرج هتافات من قلب ساحات اليمن: «حمدي حمدي حمدي». كثيرون من «شباب التغيير» الذين هتفوا، من أجل غد أفضل، لم يكونوا قد ولدوا بعد عندما اغتيل، لكن، في الواقع، سيصعب أن تجد يمنيّاً لا يعرف من يكون الحمدي. أكثر من ذلك، سيندر أن تجد يمنيّاً لا يحترم الحمدي، اليوم، حتى من بين الذين كانوا ألدّ خصومه يومذاك، سواء في الشمال أو الجنوب. هو «الرمز». هو «المثال». قل تلك «الأيقونة الأخلاقيّة» التي لا يمكن أحداً، حتى منافقاً مرتزقاً، إلا تبجيلها في العلن. هو «الأسطورة الشعبيّة» التي لا بد من خلقها في الوعي الجمعي بالقوّة، كضرورة مجتمعيّة، إن لم تكن موجودة بالفعل.

تجاوزه الحمدي الخط السعودي الأحمر فهو لا يقيم وزناً لـ«القبليّة» على حساب «الدولة الحديثة

من الذي قتل الحمدي؟ سؤال ستُثار له المخيّلة الشعبيّة، على مدى العقود التالية، لتأتي بحكايات شتّى، فرضيّات متعدّدة، تدور كلّها بين الواقع والافتراض، إنما مع ثابت شبّه موحّد بينها: إنها السعوديّة. لم يكن الحدس الشعبي اليمني على خطأ، إذ ستأتي وثائق «ويكيليكس» وسجلات «الأرشيف الوطني الأميركي» المُفرج عنها، لاحقاً، فضلاً عن الشهادات وكتب المذكّرات، لتُعزز ما كان قد أصبح راسخاً في الذاكرة اليمنيّة.
رئيس الشطر الشمالي من اليمن، غير الكاره للجنوب والجنوبيين، المقتول قبل يوم واحد من الموعد المحدد لزيارته عدن، للقاء الرئيس الجنوبي سالم علي، وليكون بذلك أوّل رئيس شمالي يفعلها... تمّ قتله. مجرّد فكرة التقارب مع الجنوب، فضلاً عن السعي من أجل الوحدة لاحقاً، كفيلة بأن تؤدي إلى قتل صاحبها... وذلك بحسابات دولة جارة كالسعوديّة. في تقارير الدبلوماسيّة الأميركيّة الطائرة، آنذاك، من صنعاء إلى واشنطن، تقرأ عن «قلق سعودي بالغ» من التقارب بين الشمال، الذي تعتبره السعوديّة موالياً لها، وبين الجنوب المكروه من جانبها بحجّة انتمائه إلى محور «الاشتراكية» و«الماركسيّة». نفوذ السعوديّة في الشمال كان كبيراً جداً، عبر القبائل الموالية لها، ووزراء وشخصيات حكومية نافذة، هم في نهاية الأمر أبناء لتلك القبائل. هي حكاية اليمن والقبائل، الأزلية، التي تدفع كل متابع لشؤون تلك البلاد أن يسأل عن كل شخص مسؤول، مهما كان حداثويّاً: إلى أي قبيلة ينتمي؟
إثر التقارب بين الحمدي والجنوبيين، استدعت السعوديّة كلاً من وزراء الداخلية محسن اليوسفي، والخارجية عبد الله الأصنج، والتخطيط محمد سالم باسندوة، وذلك بغية «الإعراب عن قلقها». لم يكن الحمدي مسيطراً بشكل كامل على حكومته. بعض الوزراء أجسامهم في صنعاء، لكن «جيوبهم» ممتدّة إلى صحراء نجد (السعوديّة). هذا ما تكشفه الوثائق اليوم، لكن، بالتأكيد، كانت ثمّة بيانات سخيفة تصدر آنذاك لتقول: «إن السعودية لا تتدخل على الإطلاق في الشأن اليمني الداخلي». طبعاً لن يكون تدخلاً الإيعاز إلى قبائل موالية لها، في صنعاء، أن تطلق صواريخ «الكاتيوشا» على مطار العاصمة بالتزامن مع وجود الرئيس الجنوبي (سالمين) هناك، كرسالة حسن نيّة تجاه البلد الشقيق!
خطّ أحمر آخر تجاوزه الحمدي، بالنسبة إلى السعودية وأعوانها داخل اليمن، تمثّل في كون الرئيس الشاب لا يقيم وزناً لـ«القبليّة» على حساب «الدولة الحديثة». سُيقلّم أظفار القبليين المحسوبين على السعودية، وغيرها، وعلى رأسهم بعض زعماء آل الأحمر. حلم كان يداعب خيال الحمدي، لبناء يمن جديد، مستقل، حديث، متأثر بالتجربة الناصرية في مصر، ولذا لم يكن غريباً أن يصفه البعض بـ«عبد الناصر اليمني». لم يدم حكم هذا الرئيس، الضابط الآتي بانقلاب أبيض، أكثر من ثلاث سنوات، لكن فعل فيها، اقتصادياً وإنمائياً وإدارياً وإصلاحياً، ما لا يزال أثره قائماً إلى اليوم، وبه وبحياته يحلف اليمنيّون.
لا تحتمل السعودية رئيساً يمنياً غير قبلي الذهنية، قبل أي شيء آخر، ما دامت هي نفسها بمثابة قبيلة تحكم بلاداً سمّتها في يوم من الأيام على اسمها. لن يكون مقبولاً أن يتوجه الحمدي، في بعض خطبه، إلى عبد الله بن حسين الأحمر، حليف آل سعود، قائلاً: «سيُسمح لكل اليمنيين بالمشاركة في انتخابات حرة كمرشحين، بما في ذلك مشايخ مثل الأحمر. لكن على الأخير إدراك أن الحالة السياسيّة اليمنيّة تتغير، ولمجرد أن أحدهم شيخ قبيلة، فهذا لا يجعله مستحقاً لمنصب أو امتياز سياسي». بادر الحمدي إلى إلغاء ما كان يُعرف قبل عهده بـ«وزارة شؤون القبائل» (التي كانت تحت يد زعماء آل الأحمر)، ليُحلّ محلها مؤسسة إدارية بعنوان «الإدارة المحليّة». يحلو لبعض اليمنيين اليوم أن يقولوا: لقد كان الحمدي الرجل الصحيح في الزمن الخطأ. كان، وما زال، ممنوعاً على اليمن أن يكون دولة قويّة، بل أن يكون دولة أصلاً.
في وثائق الخارجية الأميركية (منها واحدة مؤرخة في 16/11/1977 - نشرها موقع «ويكيليكس»)... ترد معلومات، متقاطعة بين التقارير الأميركية والبريطانية، عن لقاءات الحمدي مع شخصيات يسارية، وعن غضبه و«فقده أعصابه بسبب تدخلات السعوديين والشيخ الأحمر». أمّا عن حادثة اغتيال الحمدي، فيردّ في وثيقة أميركية: «المسألة لم تحل بعد، لكن هذا التقرير، غير المعروف بين اليمنيين، يدعم الحقيقة المنتشرة بين السكان بأن السعوديين يقفون خلف عملية القتل».
رسالة أخرى يبعثها ممثل الدبلوماسية الأميركية في صنعاء إلى إدارته، آنذاك، جرى الكشف عنها لاحقاً، ينقل فيها عن السفير السوداني لدى اليمن أن الحمدي «حمّله رسالة إلى الرئيس السوداني جعفر النميري، قبل أيام من اغتياله، يطلب منه التوسّط لدى السعوديين بغية التوقّف عن التدخل في الشؤون اليمنية، وبالتالي التوقف عن عرقلة بناء دولة مركزية قوية». يُغتال الحمدي، ثم يُختتم المشهد بمسلسل الاغتيالات وحملات التغييب القسري، المستمر إلى اليوم، لشخصيات حكومية وعسكرية كانت محسوبة على الحمدي.
رئيس بلا مواكب سلطانيّة. يكافح الفساد. يضع خطّة خمسية للبلاد. قيل إن الناتج المحلّي ارتفع في عهده من 21 في المئة إلى 56 في المئة. يرتفع معه مستوى دخل الفرد. يجعل رتبة «مقدم» في الجيش أعلى رتبة، ويبدأ بنفسه فينزلها من رتبة عقيد، بهدف الحد من الانفلاش غير المبرر في المناصب. شق طرقاً إلى أرياف يمنية كانت لا تزال تعيش خارج الزمن. شبكات مياه، تطوير زراعة، بناء مدارس، وهكذا، لم يكن من فراغ أن يظل حيّاً في وجدان اليمنيين إلى اليوم. سيخطب بعد سنة على رئاسته: «علينا أن نعلم أن الثورة لم تصل بعد إلى غالبية شعبنا، من العمال والفلاحين في القرى النائية والمدن، وهم أغلى ما في وجودنا». ربما جرت أسطرة شخصية الحمدي، شعبياً، خاصة بعدما أصبح بمثابة «السلوك» الذي يُقاس عليه كل رئيس لاحق، ولو افتراضاً، لكن يبقى قبل كل هذا، وبعد كل هذا، أنه تجرّأ وقال لآل سعود: كفى.
أحد شعراء اليمن، قبل خمس سنوات، لخّص في مطلع قصيدة له من يكون الحمدي، لتصبح الكلمات شعاراً يسُمع على ألسن الجماهير في ساحات صنعاء: «نحتاج نبيّاً أو حمدي... يُنجينا من أفعى نجدِ».




حقيقة الاغتيال!

قيل الكثير عن الجهة اليمنيّة (المحسوبة على السعودية يومها) التي نفذت عملية الاغتيال، على الأرض، وعن الطريقة «الرخيصة» التي جرى بها تخريج المشهد (وثيقة أميركية أخرى كشفت، لاحقاً، كيفية إحضار الفتاتين الفرنسيتين من إحدى حانات باريس إلى صنعاء). نُشرت الصور من مسرح الجريمة، لكن اللافت أن تلك اللعبة «الفضائحية» لم تنطل على عموم الشعب اليمني، فجرى استنكارها، حتى من خصوم الحمدي، بمن فيهم الشيخ الأحمر نفسه. البعض اتهم الرئيس الذي خلف الحمدي، أحمد الغشمي، بتنفيذ الجريمة. الغشمي (المحسوب على السعوديّة) لم يلبث أن اغتيل أيضاً. إنه مسلسل عربي تقليدي يتناغم مع حكايات تلك الحقبة من حياة العرب. البعض تحدث عن دور للرئيس اللاحق، علي عبد الله صالح بالتعاون مع زعماء آل الأحمر، والكل كان بعد ذلك يعد بفتح تحقيق شفاف لكشف الحقيقة، لكن أيّ حقيقة؟!