ثلاثة مستويات للتدخل الأردني في جنوب سوريا تأتي ثمرة زيارة الملك عبد الله الثاني للولايات المتحدة أواخر الشهر الفائت، استناداً إلى تفاهماته السابقة مع الإدارة الأميركية منذ نحو شهرين، وما تمليها من ضمانات للحفاظ على الأردن، وحكْم العائلة المالكة، وإدامة المساعدات الدولية والإقليمية للمملكة.


تركزت المباحثات على سيناريوهات محتملة من شأنها تغيير خارطة الصراع في سوريا وموازين القوى المتقاتلة. وتفيد مصادر مطلعة بأنّ الملك أبدى ملاحظات قاسية حول دور الدوحة الذي أسهم في تعقيد الملف السوري، آملاً في حل سياسي يرى النور قبل نهاية العام ضمن تسوية أميركية ــ روسية تحول دون تقسيم سوريا إلى دويلات. وفي سبيل تحقيق التسوية المنشودة، فإن الدور الأردني يسعى إلى الضغط على النظام السوري قبيل الذهاب إلى طاولة المفاوضات، وإنهاء تواجد القاعدة، وأخيراً الذهاب إلى مواجهة أكبر في حال استمرار تعنت دمشق حيال الالتزام بالتسوية المنشودة.
الترتيبات الأخيرة تحتكم لطبيعة العلاقة مع واشنطن مع بقاء هامش ضيّق للمبادرة من قبل الملك الأردني، الذي لمس تبايناً في وجهات النظر لدى الأطراف النافذة في الإدارة الأميركية، حيث يدعم «البنتاغون» إبرام تسوية سياسية مع موسكو، وفي المقابل تتعامل المخابرات المركزية (CIA) على قاعدة كسب مزيد من الأوراق والوقت باستخدام تكتيكات أمنية مغايرة، بينما تؤيد وزارة الخارجية ضربة جوية لدمشق من شأنها العودة إلى معادلة الصراع التقليدية في المنطقة بين الحلف السوري الإيراني وبين «إسرائيل»، بما يمنح الأخيرة تفوقاً استراتيجياً في ظل انشغال الجيش السوري في الداخل، وتقدير أميركا وحلفائها بعدم قدرته على الرد.
الضربة الإسرائيلية الأخيرة على ريف دمشق تؤكد أنّ ما يطبخ في كواليس الخارجية الأميركية هو الذي سيتكرس على أرض الواقع، ما يعيد التساؤلات حول طبيعة الدور الأردني في هذه المرحلة.
عبد الله الثاني أولى اهتماماً كبيراً، كما يقول مطلعون على أجواء المباحثات، بتوضيح رؤيته للأزمة السورية في اجتماعه مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) (وهو اجتماع يعقد سنوياً منذ تولي عبد الله الثاني السلطة) وجاءت نتائجه إيجابية عبر تأكيد قيادات اللوبي اليهودي دعمها المطلق للأردن والنظام الملكي في هذه اللحظة التي تمر بها المنطقة، وتوفير أكبر قدر من المساعدات من خلال موقعها المؤثر في السياسات الأميركية.
بالعودة إلى تدخل عمّان المحتمل، فإن المصادر ذاتها تشير إلى استعراض الجانب الأردني أثناء اجتماعاته الأخيرة في واشنطن معلومات أمنية جمعها في محافظة درعا؛ سواء تلك المتعلقة بنشاط «جبهة النصرة» أو المواقع الثلاثة التي يخبئ فيها الجيش السوري أسلحته الكيميائية ــ بناء على المعطيات الأردنية ــ إضافة إلى نتائج اتصالاته مع رموز المعارضة السورية في إطار تنسيقه مع أميركا والسعودية التي تسعى إلى إدخال عناصر يصفها بـ«المعتدلة» إلى تركيبة «الائتلاف» المعارض.
ويتضمن المستوى الثاني قيام الاستخبارات العسكرية والمخابرات الأردنيتين بالتعاون مع واشنطن بعمليات نوعية تهدف إلى تصفية «جبهة النصرة» والعناصر المتشددة المنتمية إلى «القاعدة». وترى عمّان هذه الخطوة أساسية وتسبق التوجه إلى أي مفاوضات لحلّ النزاع في سوريا، وتعول كثيراً على خبرتها المتراكمة في هذا الشأن في العراق وأفغانستان ــ ولا يمكن إغفال أن أغلب قيادات جبهة النصرة أردنية ــ وتراهن في تحقيق مهمتها المنشودة على توافق جميع الأطراف الدولية والإقليمية، بدءاً من الولايات المتحدة وحلفائها ومروراً بموسكو، وانتهاء بالنظام السوري.
تستعد عمّان لمستوى ثالث قد يفرض عليها الاشتباك مع الجيش السوري ضمن حالتين: الأولى تحتِّمها ظروف عملية تتصل بعدم حدوث اتفاق مع دمشق حول التدخل الأردني المفترض، والثانية يمليها استخدام القوات السورية للأسلحة الكيميائية بحسب التقديرات الأردنية/ الأميركية، وحينها سيتطلب الأمر رداً حاسماً.
تداعيات الأحداث الجارية في سوريا استحوذت على جوهر مباحثات أوباما ــ عبد الله الثاني، وتدل على جملة معطيات هي: تأجيل (أو تحييد) ملف التسوية الفلسطينية/ الإسرائيلية إلى إشعار آخر، وتقدير أردني للنفوذ الروسي المتعاظم في المنطقة إلى جانب علاقتها الوثيقة بواشنطن بما يمنحها مكانة استثنائية بين جيرانها تُوظف عند المضي نحو حل سوري، معتمدة في ذلك ــ فقط ــ على حسابات أمنية تكيّف المعطيات والمتغيرات السياسية وفق ما تصفه عمّان بـ«الإنجازات»، التي حققتها في جنوب سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية وتستحق البناء عليها.