فرضاً، تبخّرت قناة المنار فجأة، وكذلك إذاعة النور. وفرضاً أيضاً، قرّر حزب الله أن يحلّ نفسه، ومعه بعض الحلفاء، ترى هل يبقى ذكر لعيد وطني اسمه «المقاومة والتحرير؟». الجواب سهل، ولا يحتاج إلى استطلاع رأي، فكل لبناني يعرف أنه: «كلا».

قبل 13 عاماً، وقف الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، في مدينة بنت جبيل، بعد طرد الجيش الإسرائيلي من الجنوب، ليعلن أن هذا الانتصار هو لكل اللبنانيين.

مرّت 13 عاماً وتلك الذكرى تمرّ سنوياً على نحو خجول لبنانياً، أو بمعنى أدق «حكومياً». لولا الاحتفالات التي يقيمها حزب الله، وبعض القوى الأخرى، لما التفت البعض إلى أن هذا العيد هو ذكرى لأول مسمار حقيقي يدق في نعش إسرائيل. ذكرى لأول نصر عربي على العدو الأبدي «بلا قيد أو شرط». ذكرى للعيد الموصوف بـ«الكرامة المحض». مرّت 13 عاماً وكثير من القوى السياسية في لبنان، ومعها قواعدها الشعبية، تتعامل مع هذا العيد وكأنه مناسبة دينية لطائفة، أو طقس مذهبي لفرقة، في حين أن الجميع يقول إن إسرائيل هي العدو، وإن السيادة لا تتجزأ وهي تعني كل شبر من مساحة الـ 10452 كلم. لكن أين يذهب «الكيد»؟ كل شيء يبدأ في هذه البلاد بالكيد وينتهي بالكيد، إلى حد يمكن الناظر من بعيد إلى هذه المساحة أن يدرك، دون كثير تحليل، أن هنا «لبنانات» لا لبنان واحداً. مضت 13 عاماً والحال كذلك. كان هذا العيد، وكان هذا السلوك اللبناني معه، قبل الربيع العربي، قبل أزمة سوريا بكثير. قبل النأي بالنفس أو الزج بالنفس بكثير. الكيد في لبنان راسخ كما الأرزة على علمه، وبعيد جداً في ذاكرة شعبه، أو شعوبه، أبعد من الشام والقصير والأزمة السورية.
عام 2005، ومع وصول فؤاد السنيورة إلى رئاسة الحكومة، صدر مرسوم حكومي قضى بإلغاء عيد المقاومة والتحرير من قائمة العطل الرسمية. أبقي على ذكره عيداً وطنياً، شكلاً، لكن من دون تعطيل في الإدارات الرسمية. قامت الدنيا ولم تقعد على هذا المرسوم آنذاك. لكن الإلغاء استمر. أبقى السنيورة على التعطيل في الأعياد الدينية، بين المسيحيين والمسلمين، لكن المناسبة التي تحمل طابعاً وطنياً طارت من القائمة. لم يعرف عن شعب من شعوب الأرض، قديماً أو حديثاً، أنه تساهل في ذكرى اليوم الذي تحرّرت فيه أرضه من الاحتلال. عند كل الشعوب، الغربية منها والشرقية، يمكن التساهل في كل شيء إلا في هذه المناسبات. لكن هنا لبنان، حيث كل الأشياء غير، وحيث خرق السيادة، الذي يمكن أن تنشب بسببه الحروب عادة بين الدول، يمر خبره إعلامياً إلى جانب أخبار الطقس، هذا إن مرّ أصلاً.
بعد إلغاء العطلة الرسمية، على يد السنيورة، قبل 8 سنوات، دخلت البلاد في صراع سياسي، كانت فيه السفارة الأميركية أبرز الحاضرين. كان العنوان يومها: «نزع سلاح المقاومة». هل كان ثمة ربط بين مرسوم السنيورة والسياسة التي طبعت المرحلة التي تلت؟ سؤال يبقى برسم الأجيال القادمة. فأعياد الاستقلال، بحسب الموسوعة الحرة، هي «تذكير للأجيال الناشئة بمدى معاناة الآباء من أجل الحصول على الحرية، وغرس روح المواطنة وحب الوطن في قلوبهم... وتتخذ معظم الدول هذا اليوم عطلة رسمية وطنية، وتُطلَق الألعاب النارية وتؤدى الرقصات الشعبية». بالتأكيد، يعلم الجميع أن اللبناني لا يشعر بأن أي عيد هو عيد إلا إن كان فيه عطلة رسمية. أن تقول للبناني هذا اليوم عيد، ولكن لا عطلة فيه، فكأنك تقول له نكتة، ولكنها نكتة سمجة لن يضحك لها. أما عن إطلاق الألعاب النارية، فهذه يمكن أن يشهدها لبنان لطلة زعيم من هنا أو سياسي من هناك، لكن لن تراها لعيد اسمه المقاومة والتحرير. أما الرقصات الشعبية، فخلال 13 عاماً لم نشهد رقصة من هذا النوع أمام القصر الجمهوري مثلاً، اللهم إلا إن أراد الرئيس الحالي ميشال سليمان كسر القاعدة هذا العام، وإقامة حلقات الدبكة مع الزجل الشعبي في قصره، مع موائد التبولة والكبة النية على شرف المشاركين و«المقاومين».
ذهب السنيورة، فجاء بعده سعد الحريري على رأس الحكومة، والعيد ليس عيداً، إلى أن وصل نجيب ميقاتي. ترأس حكومة سمّاها كثيرون «حكومة حزب الله». أكثر من عامين وهذه الحكومة تحمل هذه الصفة. لكن الغريب، أو غير المفهوم، أن يكون هذا الحزب مشاركاً قوياً في هذه الحكومة، ومع ذلك لا يعيد الاعتبار لعيد المقاومة والتحرير. لم يُعد لهذه الذكرى اعتبارها وطنياً، على المستوى الحكومي، من خلال إعادة تثبيتها كيوم عطلة رسمية. هذا والحزب من أهم الأحزاب المساهمة في صناعة التحرير، ومن أبرز دافعي ضريبة الدم والشهداء. لماذا لم يفعلها الحزب ومعه حلفاء أقوياء في الحكومة؟ سؤال برسم الحزب، ولو أنّ الجواب سيكون مجرد سهوة، أو اتخاذ بعجقة الأحداث، فهو حتماً من الأجوبة غير المقنعة. أحد نواب الحزب يقول: «هذا صحيح، كان يجب أن يحصل هذا، ولكن لم يفت الأوان. يمكن أن يقدم اقتراح قانون لإعادة تثبيت الذكرى كعطلة رسمية، من دون أن تكون هناك مذكرات استثنائية». وعلى سيرة المذكرات، أصدر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قبل أيام مذكرة قضت بأن يكون اليوم، السبت، يوم عطلة وطنية، فتقفل جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وجميع المدارس والجامعات. هكذا، العطلة هنا وفقاً لمذكرة استثنائية، ففي العام المقبل قد لا يستنسب رئيس الحكومة، بغض النظر عمّن يكون، أن تكون هذه الذكرى يوم عطلة. إذاً، المسألة مزاجية، يبدو فيها رئيس الحكومة كمن يمنّ على اللبنانيين بقرار ذاتي منه، بدل أن تكون الذكرى يوم عيد ثابت، ليس لأحد، اليوم وغداً، حق منعه أو حتى المسّ به.