أن تتحدّث عن ذكرى انتصار المقاومة وتحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، بعد 13 عاماً، فهذا يعطيك دفعاً معنوياً جديداً في زمن فقدان الذاكرة وحروب زواريب الطوائف والمذاهب وملل المال. ملل تفعل ما في وسعها حتى تزني في فعل انتصار مقاومة كان جبناء يصفونها بالمجنونة لأنها فضحت انهزامهم أمام عدو رفع «العشرة» وخرج تحت جنح الظلام دون قيد أو شرط.

ذكرى انتصار المقاومة وتحرير الجزء الأكبر من الجنوب ليست حدثاً عابراً، أو تفصيلاً صغيراً في حياة الجنوبيين اليوم.

يحلو للبعض الرسمي وحتى الشعبي، أن ينسى، أو أنه نسي فعلاً هذا المجد العظيم المحروس بتضحيات شهداء لم ينصفهم هذا الوطن المأزوم. تجول جنوباً. ذاكرة أهل لم تخن «تحريرهم»، ولا انتصار مقاومتهم. ولهؤلاء وحدهم الحق في الاحتفال والفرح. فرح علّمهم كيف ينتصرون ويصمدون صوناً لزيتونهم وتينهم. فرح علّمهم كيف تبقى ذاكرتهم حية لا تخون، وأن الاحتلال لم يخرج بعد من مزارعهم وتلالهم حيث الرصاص اليومي يقتل بساتين كرزهم وتفاحهم ويسرق عذوبة مياههم.
في أعالي شبعا وكفرشوبا، المحتل لم يرحل بعد، والحقول الخصبة في مزارع بسطرة ورمثا والربعة وفشكول وخلة غزالة والقرن والنخيلة وزبدين وقفوة وبيت البراق ومراح الملول وكفردورة المشهد وتلال السماقة ورويسات العلم، تتمترس فيها الدبابات وغرف جند العدو ومدافعهم المصوّبة نحو حياة يقتلها برصاصه أيضاً النسيان الرسمي اليومي. مزارع وتلال نسيها بعض لبنان، وبعض آخر أزالها من ذاكرته ولم يعد يريد سماع «نصر وانتصار»، وبعض يتطلع الى استكمال مسيرة التحرير وحق مقاومة لا يضيع في استعادة أهل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لأراضيهم وحقولهم وبساتينهم المحتلة.
في ذكرى التحرير، يبقى شهيد «الأخبار» الزميل عساف أبو رحال شاهداً على لحظات عمر جميل، وحقبة من نصر مجيد كانت له بصمات في تحقيقه. حارس الحدود الجنوبية بأمانة وصدق، كان يرابط في أيار من عام 2000 على شرفة منزله في الكفير، ينتظر بفارغ الصبر لحظات الدخول الى حاصبيا وشبعا ومرجعيون وإبل السقي بعد طول غياب. يوم 23 أيار قررت وعساف الدخول الى مدينة حاصبيا المحتلة، وبث رسائل صوتية الى إذاعة صوت الشعب عن بدء تحرير القطاع الشرقي. رسائل أحدثت فعلاً شعبياً لم نكن نتوقعه. لم يبق عرقوبي أو حاصباني، مهجّر إلى البقاع أو صيدا أو بيروت، إلا وزحف نحو ميمس. حاصبيا وزغلة وعين قنيا وشويا استقبلت طلائع «الشعب» الزاحف، فاتحاً عهداً جديداً.
ظهر 23 أيار، جال عساف في شوارع حاصبيا فرحاً بالنصر. طارد دبابة ميركافا لالتقاط صورة لها قبل أن تصطدم بعمود كهربائي على طريق كوكبا ــ إبل السقي. الدبابة تهرب وعساف يطاردها. مطاردة لم تتوقف عند التقاط صورة لدبابة العدو المنهزمة. فيوم 24 أيار، كنّا أنا وعساف والزميلة هناء حمزة وفريق تلفزيوني فرنسي في مزرعة حلتا المتاخمة لمزارع شبعا. الراعي هيثم عبد العال أخبرنا أن لبنانياً يعيش تحت الاحتلال في مزارع شبعا، وأنه يمكن الوصول إلى الشريط الشائك عند مزرعة بسطرة والمناداة عليه لمقابلتنا. أقنعنا عساف بفكرة زيارة الراعي أبو قاسم زهرة الذي لم يغادر مزارع شبعا منذ أن سيّجها الاحتلال بشريط شائك سنة 1989. رحلة الوصول إلى الشريط الشائك تتطلب ساعة ونصف سيراً على الاقدام صعوداً في واد وعر. عثرت هناء على علم لبناني في مزرعة حلتا. حملته وقالت قد نستطيع رفعه فوق مزارع شبعا، أو يرفعه أبو قاسم زهرة فوق منزله.
عساف الذي وثّق تحرير منطقة حاصبيا والعرقوب، كلمة وصورة، وصل الى الشريط الشائك عند مزرعة بسطرة المحتلة. انتظر هناك حتى وصل الفريق، وتوزعنا الأدوار: ندخل أنا وعساف وعدنان والراعي هيثم إلى داخل بسطرة، وتنتظر هناء والفريق الفرنسي الآخر خلف السياج. حطّم هيثم بحجر قفل بوابة الحديد الإسرائيلية، وأخذ يصرخ «يللا فوتوا بسرعة». دخلنا ركضاً إلى بسطرة لتجنّب رؤيتنا من موقع الاحتلال في تلة رمثا.
من تحت سنديانة معمرة خرج الراعي أبو قاسم مستغرباً ومرحّباً بعدما علم بهويتنا «صرلي زمان ما شمّيت ريحة أهلي». أمضينا قرابة نصف ساعة في مزرعة بسطرة، كادت خلالها رصاصة إسرائيلية أن تقتل عساف وهو يسجل حديثاً مع أبو قاسم لنشره وتأكيد لبنانية مزارع شبعا، وأن لبنانياً وحيداً يعيش هناك رغم الاحتلال وممارسته. دورية الاحتلال الاسرائيلي التي طوّقت منزل أبو قاسم وأخذت تطلق الرصاص فوق رؤوسنا، طلبت أن يأتيها أبو قاسم. خرج العجوز المتعب من الأسر خلف الاسلاك الشائكة وأبلغ جنود الاحتلال هويتنا الصحافية. عاد اللبناني الوحيد المنسي خلف الشريط وطلب منا المغادرة فوراً. خروج واكبه إطلاق رصاص حتى أصبحنا في قعر الوادي.
قصة أبو قاسم زهرة، الصامد في مزرعة بسطرة قبل أن ينسحب بعد تحريرها سنة 2001 بترسيم الخط الازرق، كانت نصراً لعسّاف. اكتشاف حرّر قادة البلاد من جمودهم، وأصبح حديثهم الرسمي عن مزارع شبعا «لازمة» في كل خطاب وموقف. وحده عساف أبو رحال بقي يتابع يوميات أبو قاسم على مدى 10 أشهر بعد الإعلان الرسمي عن 25 أيار ذكرى للنصر والتحرير.
رحلة الدخول الى مزرعة بسطرة كانت أجمل لحظات عساف في مواكبة عملية تحرير الجنوب وانتصار المقاومة. مواكبة لم تضع حدوداً للإنسان الطيب. أصبح جزءاً يومياً من تفاصيل المزارع والتلال المحتلة. وثّق في عشرات التحقيقات الصحافية ما كان لبنان الرسمي ــ الطائفي لا يعرفه عن المزارع وأهلها وعن تاريخ مقاومة استشهد من أجل أن تبقى رصاصاتها نحو العدو.