لم يعلق في ذهني تفاصيل من تحرير الجنوب في العام 2000 أكثر من تفاصيل تحرير الأسرى من معتقل الخيام، ولم تخالجني مشاعر كتلك التي عشتها صباح 23 أيار 2000، يوم تحرير المعتقل. كنت قد توجهت إلى المنطقة المحتلة لإعداد تحقيقات عن احتياجاتها بعد التحرير الذي قيل إنه سيحصل في حزيران، ثم في تموز. لكن الأحداث تسارعت، وبدأ الانهيار بعد ظهر الأحد 21 أيار، ليبدأ الأهالي بالعودة إلى قراهم في 22 أيار. وفي اليوم الثالث، وفي تمام الساعة الثانية إلا ربعاً، بدأ تحرير معتقل الخيام.


صباد ذلك اليوم كنا قد توجهنا إلى الخيام، بعدما تردّد من معلومات إن العملاء سيفرجون عن المعتقلين عند التاسعة والنصف صباحاً. وصلنا في الموعد، وكان علينا اجتياز طريق قصيرة يشرف عليها برج المراقبة للمعتقل، أطلق عناصره النار علينا بقصد تخويفنا. اجتزنا الطريق بسرعة، ولدى وصولنا الى الباحة، علمنا بأن المفاوضات مع العملاء قد فشلت إذ رفض الأهالي بداية السماح للعملاء بالخروج بسلام مقابل الإفراج عن الأسرى... لكنهم عادوا ووافقوا، لتبدأ سيارات العملاء بالخروج تباعاً عند الواحدة والنصف، بحراسة بعض الأهالي وسخط وشتائم البعض الآخر.
انتظرنا انسحاب آخر سيارة و«هجمنا» على المعتقل... لا نعرف له خريطة، ولا نعرف أين مفاتيح الزنازين التي حتى لو كنا قد وجدناها لم نكن لنحزر أي مفاتيح لأي زنازين. فاستعنا بما وجدناه أمامنا. البعض أمسك بـ«جنط» سيارة وراح يكسر به القفل، والبعض الآخر كسره بواسطة حجر كبير، أما المفاجأة فكانت استعانة أحد الأهالي ببندقية B 7 الحربية راح يضرب القفل بكعبها. كل ذلك يحصل وسط صراخ المعتقلين الذين عرفوا أن ساعة التحرير قد حانت. اعترتنا جميعاً حالة هستيرية، من الصراخ ووالضحك والبكاء... إلى أن خرج المعتقلون.
هاتفي يرنّ. على الخط الزميل ماهر أبي نادر يسألني عن «جدّ المعتقل» سليمان رمضان. لم أكن قد رأيته، فأصّر أن أبحث عنه وأجده. أين أبحث؟ خطر ببالي أن المكان الوحيد الذي سيكون فيه هو مستشفى مرجعيون. توجهت إلى هناك ورحت أبحث عنه. قلت لسيدة خمسينية استقبلتني بثياب ممرضة.. سليمان؟ «لا أعرفه»، أجابت ورحنا نجوب سوية على الغرف التي كان يشغل بعضها عدد من المعتقلين. وكانت الممرضة، خلال طرحي أسئلة عليهم، تجيب وهي تنظر من شباك الغرفة الى الطريق وكأنها تتوقع حصول شيء ما.. «قل لها نحن نحب المقاومة ونكره اسرائيل، ونحن فرحانين جداً بالتحرير».
عندما وجدت سليمان رمضان في إحدى الغرف، كان هو من بادر إلى السؤال: من أنت؟ أخبرته ولطمأنته، اتصلت بالزميل ماهر أبي نادر ليتحدّث اليه. لكن بطارية الهاتف لم تسعفني ليتحدث سليمان إلى إذاعة صوت الشعب، إذاعة حزبه.