قبل يومين من تحرير الجنوب، عرف عدد من المقاومين أن اللحظة المنتظرة قد حلّت. كانوا قد نفّذوا عملية على موقع البياضة العسكري في منطقة صور، وطلب منهم قائدهم عماد مغنية الاستعانة بدبابة. «كانت الرسالة واضحة، بما أنها المرة الأولى التي تقترب فيها دبابة إلى مكان قريب جداً من الموقع المستهدف، وأمطرت دشمه بالقذائف قبل دخولها إليه وتفجيرها ليسقط الموقع بأكمله على رؤوس من فيه».


هكذا يبدأ مقاومون، شاركوا في صناعة تحرير عام 2000 سرد ذكرياتهم عن أربعة أيام من أيار عرفوا فيها معنى الفرح «الذي سيتكرّر بمزيد من الانتصارات على العدو الاسرائيلي». يقول أحدهم إنه سأل رفيقه في الطريق إلى الخيام «ماذا تحبّ أن تفعل في مثل هذه اللحظة؟»، فأجابه المقاوم «أرغب في البكاء». قال كلمته هذه، وبدأ جميع أفراد المجموعة المقاومة بالبكاء معه. «كان بكاءً جبلت فيه سعادة النصر بالحزن على فراق مقاومين كانوا يتشوّقون دائماً لمشاهدة هذه اللحظة وعيشها».
أيام فوجئوا خلالها بجماهيرهم الحاضنة لهم، وهم يعبرون أمامهم وخلفهم الى القرى المحتلة لتحريرها. كان في مقدّمة هؤلاء امرأة اسمها فاطمة، من بلدة الغندورية، تحمل طفلها الرضيع. يقول أحدهم «كان اليوم الأول لزحف الأهالي نحو القرى المحتلّة، في 21 أيار. يومها استغلّ المقاومون والأهالي ذكرى وفاة امرأة في بلدة الغندورية المحرّرة المجاورة للقنطرة، فتجمّعوا، واتجهوا سيراً على الأقدام باتجاه البلدة التي كانت قد سقطت عسكرياً بعدما تعرّض موقعها لعمليات عسكرية متتالية، فكانت الحلقة الأضعف للبدء منها بعملية التحرير». يعود للحديث عن المرأة وطفلها «تقدّمت بحماسة شديدة، وحملت رضيعها ومشت بسرعة فيما الجميع يراقبها. وعندما أطلق العدوّ مدافعه باتجاهنا، تراجع البعض، إلّا أنها أصرّت على المسير رغم بعد المسافة، لتكون من أوائل الذين عبروا بوابة تحرير القنطرة».
في حولا، التي زحف الأهالي نحوها انطلاقاً من شقرا المجاورة في 22 أيار، تقدّم شاب من البلدة، حمل سلاحه وانطلق في مهمته لملاقاة والدته التي سجنها العدوّ وعملاؤه في منزلها لأعوام طويلة، بعدما علموا أن ابنها مقاوم. اسم الوالدة فاطمة أيضاً، ولم تكن قد رأت ابنها طيلة 15 عاماً تعرّضت خلالها للكثير من الظلم والتنكيل على أيدي العملاء. كان الشاب يحلم برؤية أمّه، لكنه لم يترك عمله الجهادي، بل تابعه لساعات طويلة إلى أن خرجت والدته لأول مرّة، إلى ساحة البلدة. كانت تمشي بسرعة، تنظر شمالاً ويميناً علّها ترى الطفل الذي غادرها، قبل أن يصبح مقاوماً شاباً. كان الأخير قريباً من المكان، مشغولاً في عمله، عندما وقع نظره على والدته القادمة من بعيد «ركض نحوها، وركضت هي أيضاً، وكان المشهد مؤثراً ونبيلاً أبكى الكثيرين من الذين عرفوا قصة الولد وأمّه» يقول أحد الشباب.
البكاء ترافق أيضاً مع استشهاد عدد من المقاومين، ومنهم الشيخ أحمد يحيى المعروف باسمه الجهادي «أبو ذرّ». ولد الشيخ في بلدته رشاف في عام 1958 وكبر في كنف أسرة فقيرة تعيش على محاصيل شتول التبغ. عندما ترك بلدته، كان العدوّ الاسرائيلي قد اجتاح الجنوب اللبناني في عام 1978، وكان والده قد سقط شهيداً على أيدي الجنود الاسرائيليين بعدما عذّبوه وقتلوه ورموه في بئر في البلدة. يومها لجأ أبو ذرّ مع عائلته، التي أصبح معيلها الوحيد، إلى بيروت، قبل أن يسافر ويدرس الدين ويعود معمّماً، وينخرط في العمل المقاوم. و«كان يفضّل دائماً المشاركة في العمليات العسكرية على المواقع القريبة من بلدته رشاف، وتفرّغ للعمل المقاوم، وكان يفضّل الاختلاط بالمقاومين على الاختلاط برجال الدين، لكي لا تفوته فرصة الجهاد وتحرير بلدته»، يقول أحد أصدقائه.
لحظة دخول المقاومين والأهالي إلى حولا في 22 أيار، كان أبو ذرّ معهم. دخل البلدة بسيارته، مع عدد من رفاقه، أمضى ساعات هناك، قبل أن يعلم ببدء لحظة التحرير في بلدته. ترك كل شيء واتجه مسرعاً الى هناك ليكون من أوائل الذين يدخلونها. يقول زميل له «20 عاماً من عمل أبو ذرّ المقاوم لم تؤدّ إلى شهادته، لكنه عندما وضع رجليه على تراب البلدة، تعرّض لقصف من العدوّ الذي كان لا يزال كامناً خلف دشم أحد مواقعه في البلدة، فتعرّض لإصابة بالغة نقل على أثرها إلى أحد مستشفيات صيدا للمعالجة، ورقد فيها ثلاثة أيام قبل أن يفارق الحياة في اليوم الذي سُمّي عيداً للتحرير في 25 أيار».
شهيد آخر سقط ذلك اليوم هو إبراهيم ماروني (15 عاماً)، الذي كان قد قرّر عبور بوابة الانتصار، كغيره من الأهالي في 22 أيار. أفلتت المناسبة إبراهيم من كنف والديه اللذين كانا يحرصان دائماً على مرافقته وملازمته، حتى في عملهما في فرن في البلدة. فهو وحيدهما بين 12 فتاة. لم يتسنّ لأبي إبراهيم منع ابنه من الذهاب، «فالمناسبة تستحق، وعلى الولد أن يسعد بها، ويشاهد نصراً لطالما حلم به الكبار والصغار، لا سيما أن البلدة كانت تتعرّض دائماً للقصف الهمجي الصهيوني، وخسرت من جرّاء ذلك العديد من الشهداء، كان من بينهم أمل شقيقة إبراهيم»، يقول أصدقاء الشاب، لافتين إلى أن استشهاد شقيقته أثرّ به كثيراً «وكان يعبّر دوماً عن عشقه للمقاومة وحلمه بأن يرى جنود الاحتلال وعملاءه أذلّاء مقهورين، فكان له ذلك، يوم استشهاده».
بدأت مسيرة إبراهيم في ذلك اليوم من التحرير باكراً جداً. نهض صباحاً وانطلق باتجاه آخر نقطة في البلدة، حيث لم يكن بإمكان الأهالي الوصول اليها بسبب الاحتلال. هناك كان رفاقه ينتظرونه مع عدد كبير من الأهالي. ساروا معاً على أقدامهم. نزلوا الوادي القريب من «قلعة دوبيه» الأسيرة. عند وصوله إلى حولا، ومشاهدة الأهالي يزغردون، وآخرين يهتفون بشعارات النصر والحرية، تقدّم أكثر فأكثر، باتجاه ميس الجبل المجاورة. هناك صعد في شاحنة صغيرة، مع عدد من رفاقه، رافعين رايات النصر. اقتربت الشاحنة كثيراً، لم يتحمّل جنود العدوّ هذا المشهد، فأطلقوا قذيفة باتجاه الشاحنة، انفجرت قريباً منها، فتناثرت شظاياها يميناً وشمالاً، وكانت إحداها من نصيب إبراهيم. كان هو الشهيد الوحيد بين رفاقه، والثاني عند أهله. وإلى اليوم، لا يزال الحزن يخيّم على عائلته. يحلّ عيد التحرير عليها وكأن الموت قد عاد من جديد ليعلن أن إسرائيل لم تترك خلفها إلّا ذكريات الشؤم والألم، فيما أتاحت المقاومة لإبراهيم «أن يتذوق طعم الكرامة والانتصار يوماً، ويشاهد عدوّه وعملاءه أذلاّء قبل أن يتذوّق طعم الشهادة».