يبدأ منذ اليوم، الاستعداد لمرحلة ما بعد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية. واذا كانت جلسة اليوم ستكون كسابقاتها، فإن الظروف المحيطة بها تغيّرت كليا عن تلك التي احاطت بالجلسات السابقة. فالمشهد السياسي بات محكوما بمجموعة عوامل محلية واقليمية مستجدّة تعيد الساحة اللبنانية الى توترها السياسي والامني، وتنعكس سلباً على مجريات الاحداث الداخلية. وأول هذه الانعكاسات الوضع الحكومي، في ضوء التوتر مع السعودية.
بحسب معلومات مطلعين على التوجهات السعودية الاخيرة، في شأن لبنان، بعد الازمة الاخيرة، فانه من المستحيل ان تتراجع الرياض عن ضرورة استعادة لبنان من الحضن الايراني. فالسعودية، التي تستعد مع دول الخليج للدخول من ضمن قوة عربية ضخمة الى سوريا، لن تسلّم بسهولة بأن تقصي نفسها وتجعل القوى السنية الحليفة لها في لبنان ضحية الاستقواء الايراني وتمسك حزب الله بفرض قوته في الداخل. وتبعا لذلك، من المستحيل التصور ان الرياض ستقف متفرجة على امساك حزب الله بمفاصل الوضع اللبناني الداخلي، وهي تضاعف من تمتين علاقاتها مع القوى الحليفة لها في لبنان استعدادا لمرحلة جديدة.

السعودية لن تتراجع عما تعدّه ضرورة استعادة لبنان من الحضن الايراني

ومن جملة اسلحة الضغط التي تستخدمها السعودية، اضافة الى تحويل حزب الله على قائمة المنظمات الارهابية، لا يستبعد ان تعيد القوى الداخلية المؤيدة للسعودية قراءة الموقف السعودي كما هو عليه حقيقة، وان تصل تطورات التأزم في العلاقات الداخلية الى تعطيل الحكومة واستقالتها. فالائتلاف الحكومي الذي نشأ في اطار التهدئة السنية ــــ الشيعية بات يصب في مصلحة حزب الله وحده، وهو يأخذ الامور في الاتجاه الذي يريده، فيما تيار المستقبل ككتلة سنية ممثلة في الحكومة، لم يستفد شيئا من مشاركته فيها حتى الساعة. لا بل إن وجوده فيها في خضم الازمة السعودية اللبنانية لم يفد شيئا ولم يترك اي اثر ايجابي في تفادي الازمة او حتى اصلاح اضرارها.
والنقطة الاساسية التي تجعل من وجود الحكومة عائقاً، ومن تعطيلها فائدة، ان حزب الله، وايران من خلفه، لا يريدان اجراء انتخابات رئاسية في لبنان، فيما كان الهدف من الاتفاق على تأليف الحكومة على عجل، بعد طول انتظار، قبل اشهر قليلة من مغادرة الرئيس ميشال سليمان قصر بعبدا، الحلول محل رئيس الجمهورية تحسباً لأي شغور. لكنّ الوضع الحالي بعد مرور سنتين بات يمثّل عامل استثمار ايجابياً للحزب الذي يعطل انتخابات رئاسة الجمهورية ويستفيد من فرض ما يريده في الحكومة، بدليل البيان الذي صدر حول الازمة السعودية. واستمرار المراوحة الحكومية كما هي الحال راهنا، بات يمثّل عبئا وضررا اكثر منه فائدة. واذا كان الهدف اجراء انتخابات رئاسية وانتخاب رئيس يعيد التوازن الى الوضع الداخلي، فمن الحري استخدام كل اساليب الضغط، واولها تعطيل الحكومة.
واذا كانت الازمة السعودية قد وضعت بعض الاوراق المكشوفة على الطاولة، فان حدتها، دفعت ايضا الى اجراء مراجعة على اكثر من مستوى، داخل البيت السني "الرسمي" الذي لم يعد يتكلم لغة واحدة.
فعودة الحريري الى بيروت قبل صدور قرار وقف الهبة يؤشر، بحسب المطلعين انفسهم، الى ان الحريري لم يكن مطلعا على قرار استراتيجي بهذا الحجم، لان مثل هذا القرار لا يمكن ان يصدر على غفلة، الامر الذي يترك تساؤلات عن اي قنوات اتصال سعودية لا يزال الحريري على تماس معها، واي قنوات رسمية لم تطلع الحريري على خطواتها، وهو الامر الذي لم يكن ليحصل مثلا ايام الرئيس الراحل رفيق الحريري، وفيما يراكم رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع من حجم رصيده في السعودية، ويترك تأثيرات ايجابية فيها، بخلاف ما توحي به اجواء المستقبل، يعود الحريري الى بيروت ليفتعل مشكلة جديدة معه بعد المشكلة الأولى بعد تفاهم باريس مع النائب سليمان فرنجيه. وكذلك فان البيان الحكومي ضاعف من الاستياء السعودي، وخصوصا ان رئيس الحكومة تمام سلام والحريري غطياه معا، ولا يتحمل مسؤوليته رئيس الحكومة وحده.
تضاف الى ذلك الازمة المستجدة داخل فريق المستقبل، والانقسام في المواقف تجاه قضيتين حساستين، العلاقة مع حزب الله، وملف الوزير السابق ميشال سماحة. واذا كانت استقالة وزير العدل اشرف ريفي قد حصرت في تأجيل الحكومة ورئيسها وضع الملف على جدول الاعمال، فان تداعياتها لم تعد محصورة في اطار هذا الملف، الذي يردد مطلعون عليه خشيتهم من صفقة ثلاثية تسمح بسجنه سنوات معدودة فحسب.
وتداعيات هذه الازمة كشفت الكثير من العلاقات المأزومة بين الفريق الواحد، ليس في رواية الاستقالة والقرار الذي اتخذ في الرياض حولها، وعدم التزام كافة الافرقاء بها، فحسب، انما ايضا في ما خلّفته من آثار بدت واضحة في مدلولاتها: السفير السعودي علي عواض العسيري يخص ريفي بتمني حضوره الى السفارة وبمقابلة خاصة به، لا اتصالات بين الحريري وريفي الا عبر وسطاء، وفي المقابل ينشط ريفي، الذي يحظى برضى سعودي خاص في الشمال، وفي طرابلس تحديدا، ويعد لحركة مدنية واسعة. لن يتراجع ريفي عن استقالته ولن يتراجع عن جعل حركته اطارا يجمع طرابلسياً، لكن الهدف منها ايضا اثبات انه لا يجوز التراجع امام "هجمة" حزب الله.
من هنا، فان ثمة توقعات بمرحلة جديدة من الخلاف "غير الامني وغير المسلح" مع حزب الله، حضور اقوى شعبيا ومدنيا في المناطق ذات الاغلبية السنية، فرض ايقاع جديد في تظهير المشكلة مع حزب الله على اكثر من مستوى، في انتظار ما ستؤول اليه التطورات في سوريا وتحضير السعودية مواجهتها مع حزب الله عربيا.