في محله الكائن في سوق الحميدية الشهير، والذي بالكاد تسد مبيعاته اليوم احتياجات عائلة سورية، ينصت أبو محمد لتقرير تبثه إحدى القنوات الفضائية عن تطورات الحراك السياسي الدولي لحل الأزمة السورية. وما أن تنهي المذيعة تقريرها، حتى يبادر الرجل الخمسيني إلى القول: وقف الحرب والقتل أولوية دون شك، لكن هل الحل السياسي الذي يجري الحديث عنه سيعيد بناء ما تهدم، وسيعيد لنا زبائننا من لبنان والأردن، ومتى يمكن أن يحدث ذلك؟

السؤال يطرحه بصيغة أخرى رئيس اتحاد شركات شحن البضائع الدولي صالح كيشور، الذي تمثّل عملية استعادة سوريا لمكانتها الإقليمية والدولية في تجارة الترانزيت هاجسه الأساسي، فهل سيترتب على أي اتفاق سياسي تحقيق ذلك؟ يسأل كيشور.
على صعوبة إنجاز اتفاق سياسي للخروج من الكارثة التي تكمل قريباً عامها «التدميري» الخامس، يرى كثيرون أن الأصعب يكمن في الاتفاق على تهيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية لضمان تطبيق الاتفاق السياسي على المديين القريب والبعيد من جهة، وتوفير الدعم الشعبي والمؤسساتي لهذا الاتفاق من جهة ثانية. وهذا يتطلب أيضاً توافقاً إقليمياً ودولياً، فكما يرى البرفسور الجامعي، ووزير الصناعة في مرحلة الثمانينيات، الدكتور حسين القاضي فإن «الاقتصاد هو الحامل الأساسي لنجاح الحل السياسي في سوريا»، ولذلك لا بد من «خريطة عمل اقتصادية، يسير تنفيذها جنباً إلى جنب مع الخطوات، التي تم الاتفاق عليها سياسياً بين الأطراف المحلية والدولية».

تبرز الحاجة إلى تأسيس قناة وصل بين صناع المعرفة وصناع القرار

وفي حديثه إلى «الأخبار»، يصنّف الدكتور القاضي الملفات الاقتصادية العاجلة، والمفترض أن تخضع لاتفاق محلي، ولدعم دولي واضح وثابت، في خانتين، الأولى تشمل عملية إعادة الإعمار، والتي يعتبرها «مسؤولية دولية، إذ أن التدخل المباشر للولايات المتحدة الأميركية في الأزمة السورية، بدءاً من طلب أوباما للرئيس الأسد بالتنحي إلى دعمها الإرهاب التكفيري، يرتب عليها مسؤولية كبيرة في إعادة الإعمار، لا سيما أن هناك دولاً كثيرة تحتذي بالتوجهات الأميركية، كما أن دول الخليج تتحمل المسؤولية نفسها بالنظر إلى حجم ما أنفقته على تدمير سوريا». وفي المقابل أيضاً فإن «طرح الحكومة السورية القائم على حصر إعادة الإعمار بالأصدقاء والحلفاء غير كاف». أما الخانة الثانية فتشمل «الإجراءات الواجب اتخاذها لتمكين الدولة السورية من السيطرة على مواردها وثرواتها واستثمارها بما يخدم إعادة إطلاق عملية تنمية شاملة، يمكن أن توفر فرصاً جديدة للعمل، تشجع حملة السلاح على تركه، وتعيد المهاجرين واللاجئين إلى ديارهم».
رأي آخر يذهب أبعد من ذلك، فإهمال الجانب الاقتصادي في مفاوضات الحل السياسي أمر من شأنه أن يهدد مستقبل سوريا، وبحسب الباحث نوار عواد، الذي يعمل اليوم على ملفات عدة متعلقة بالتنمية المحلية، فإنه «بالطريقة التي تتطور بها الأمور، يبدو أن المسار السياسي منفصل عن المسار الاقتصادي، ما يقلل من المخاطر الاقتصادية على المدى القريب جداً، ولكن هذا الفصل يحمل بطبيعته مخاطر خفية تهدد مستقبل الأجيال الشابة، ما يحتم مقاربة مختلفة للحلول تتضمن رؤية الحلول بشكل متكامل على المستويات كافة، بما يضمن فرصاً أكبر بمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً». ويضيف في حديثه إلى «الأخبار» إنه «ضمن هذا التوجه، تبرز الحاجة إلى تأسيس قناة وصل فعالة بين صناع المعرفة وصناع القرار، قناة تسمح بتحويل المعرفة إلى قرارات، ومن المهم ألا نتسرع بالقول إن صناع المعرفة يجب أن يكونوا صناع القرار». ولتأسيس هذه القناة بشكل فعال وعملي يقترح «إعداد برنامج هدفه استكشاف متطلبات، فرص، وآفاق إعادة البناء في سوريا، وإطلاق هذا البرنامج من خلال ورشة عمل يتم تنظيمها، ويشارك فيها إضافة إلى الحكومة السورية، المنظمات الدولية العاملة في سوريا، وممثلين عن القطاع الخاص (مثل غرف التجارة وغرف الصناعة) وخبراء مستقلين».

الفرص القادمة

تتباين الآراء حول المسؤولية الاقتصادية المفترض بالأطراف المحلية تحملها لإنجاح الحل السياسي، فالجميع، بحسب المنسق العام لائتلاف قوى التكتل الوطني الديمقراطي الدكتور سليم الخراط، يدرك أن البلاد مرت «خلال السنوات الأخيرة بوضع اقتصادي صعب ومدمر وفوضوي، نتيجة ظروف خارجية تحاصرنا، وداخلية يمارسها البعض من تجار الأزمة في مختلف مفاصل المؤسسات والحكومة، وخاصة القطاع الخاص، وهنا لا بد من التعامل معها عبر منهجية اقتصادية محكمة، تبدأ بممارسة السلطة التنفيذية لإجراءاتها أصولاً مستندة في ذلك إلى السلطة التشريعية»، مشيراً في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن «أي خطة عمل مستقبلية يجب أن تقوم على ضبط الإنفاق، وقف الهدر المالي، خفض عجز الموازنة، وتحقيق معدلات نمو واقعية، ليست زائفة، بحيث تنعكس إيجاباً على المواطن». في حين أن الدكتور القاضي يرى أن المطلوب يتجاوز كل ذلك، ليصل إلى «إعادة النظر بفلسفة الدولة ودور مؤسساتها، والتي أصبحت اليوم عبئاً على الاقتصاد الوطني، فنحن بحاجة إلى دولة متحضرة، مرنة، قراراتها سريعة، عدد موظفيها أقل، تعطي دوراً أكبر للقطاع الخاص، وتُدخل القطاع العام في شراكات دولية ترفع من مستواه التكنولوجي».
وهذا ممكن في ضوء الفرص الاقتصادية الكثيرة المتاح إنجازها على الساحة السورية، والتي يعتقد الباحث عواد بوجود سبع فرص حقيقية منها على الأقل حالياً، هي كما يرتبها: تطوير عقدة إقليمية لنقل النفط والغاز، تطوير مركز إقليمي لتكنولوجيا الطاقات المتجددة وخصوصاً الشمسية والعضوية وتحفيز الاستثمارات في الطاقات البديلة، تطوير المعرفة التطبيقية في معالجة المياه والزراعات الجديدة وتحفيز المشاريع التطبيقية ذات الصلة، عمارة جديدة، خامات وإدارة بنية تحتية بشكل لا مركزي (التزويد بالمياه، وتصريف النفايات السائلة، إدارة النفايات الصلبة والسائلة، توليد وتوزيع الكهرباء)، والسيطرة على التيارات الاقتصادية والأسعار وتوسيع دوائر المستثمرين لتشمل المجتمعات الصغيرة والأفراد، وإعادة تعريف الملكية (مثلاً: من يملك النفايات الصلبة، وربطها بعقود إدارة الخدمات) ومن الأهمية بمكان، تقليص حجم المخاطر المحتملة في مجال صياغة السياسات من خلال المواءمة بين رؤى طويلة المدى وحلول تطبيقية تهدف إلى الاستجابة إلى متطلبات السوق، وإعداد أرضية صلبة لعملية تقييم لآفاق الاقتصاد السوري والفرص المستقبلية، وآثاره الاجتماعية داخلياً، وتموضعه إقليمياً ودولياً.

مصالح مضادة

لكن كل ذلك دونه تحديات وصعوبات كثيرة، فالأزمة بحسب الدكتور خراط: «قد تطول بالنظر إلى خصوصية الأوضاع السورية، وهذا بخلاف ما حدث في العديد من دول ما بات يعرف بالربيع العربي»، الأمر الذي يعني تأخر الاتفاق على خريطة اقتصادية تدعم الحل السياسي، وتمهد لترسيخه محلياً وخارجياً. كما أن المصالح الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية، التي نشأت وازدهرت على استمرارية الكارثة السورية، ستدير حرباً «خفية» لإفشال أي حل اقتصادي ينال من مكاسبها ووجودها، حتى لو كان هذا الحل قد جرى برعاية إقليمية ودولية، وثمة تجارب دولية سابقة في هذا المجال.
لكن ثمة أصوات تبدو متفائلة رغم كل المؤشرات «المحبطة»، فمثلاً الدكتور الخراط يؤمن أن الرؤية التي تعمل عليها الدولة السورية يمكن أن «ترسم طريقاً للمستقبل، وتحدّد الإطار العام المتكامل الذي سيحكم السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على إتاحة الفرص للجميع. وهدف هذه الرؤية يتوجه إلى تمتين أسس الاقتصاد الوطني، وتحقيق الاستقرار القائم على تعزيز قيم الإنتاج، والاعتماد على الذات وكما كنا في الماضي القريب، وصولاً إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة».