بعد قرار المملكة العربية السعودية إعادة النظر في علاقتها مع لبنان ووقف الدعم للجيش والقوى الأمنية، والخطوات التي تبعتها فيها بعض دول الخليج، يظهر أن التصعيد الذي يصُبّ في خانة الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال مستمراً. وصبّ أمس في سياق التوتير الخبر الوارد من اليونان وتركيا؛ فقد كشفت قناة تلفزيونية تركية أن «قوات خفر السواحل اليونانية أوقفت سفينة محمّلة بالأسلحة قبالة سواحل جزيرة كريت»، وأن «السفينة التي حملت 6 حاويات، منها 2 مملوءتان بالأسلحة والذخيرة، كانت متجهة من تركيا إلى لبنان»، وأن «السلطات اليونانية احتجزت طاقم السفينة وهم 11 شخصاً، هم ستة سوريين وأربعة هنود ولبناني». هذا الخبر أعاد إلى الأذهان باخرة «لطف الله 2» التي ضبطها الجيش اللبناني عام 2012، وتبيّن أنها كانت محمّلة بعشرات الأطنان من الأسلحة المهرّبة من ليبيا إلى لبنان عبر مرفأ طرابلس. ولأن من الصعب قراءة أي حدث يحصل راهناً خارج المواجهة الكبرى التي تقودها المملكة، يبرز السؤال عمّا إذا كانت السلطات التركية قررت الدخول على خط اللعب بالأمن في لبنان، وتحديداً في منطقة الشمال. فهل ان ما ضُبِط هو عمل مهرّبي سلاح عاديين؟ أم هي واحدة من العمليات التي تقودها الاستخبارات التركية، كالتي نفّذتها في سوريا دعماً للمعارضة والجماعات الإرهابية؟ وهل أن قراراً تركياً ــ سعودياً ــ قطرياً أوكل إلى أنقرة هذه المهمة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه حركة تجارة غير مشروعة؟

الأتراك يعملون بقوة مع القطريين في مناطق الشمال على وجه الخصوص

من المبكر الإجابة عن هذه الأسئلة، قبل أن تتضح تفاصيل العملية كاملة. لكن مصادر أمنية لبنانية قالت لـ«الأخبار» إن «الكشف عن السفينة يعني أن لبنان ساحة مستهدفة»، خصوصاً في ظل الفرضية الأقرب إلى أن «جهة رسوّ السفينة ستكون لبنانية»، لأن «ليس بالإمكان أن يكون الهدف نقل السلاح إلى سوريا، نتيجة عدم وجو ممرّ آمن يتيح ذلك». ورأت المصادر أن في هذا التطور تأكيداً على أن «هناك جهات تسعى إلى تفجير الساحة اللبنانية بالتزامن مع احتدام الأزمة». وفي الإطار نفسه، علمت «الأخبار» أن «الأتراك قاموا بعمل إحصائي في لبنان، وجمعوا معلومات عن وجود 84 ألف لبناني من أصول تركمانية، وعن أماكن وجودهم وأنواع أعمالهم وحضورهم السياسي». وبحسب المعلومات، فإن «الأتراك يعملون بقوة مع القطريين في مناطق الشمال على وجه الخصوص. وثمة سعي الى تعزيز موقع الجماعة الإسلامية ودفعها الى التمايز عن تيار (المستقبل) بغية الحصول على تأييد الشارع، وجذب التيارات الإسلامية صوب هذا التحالف، والعمل مع قوى وشخصيات سياسية على هذا الأمر، وتشجيعها على مواقف محافظة اجتماعياً ومواقف سياسية منتقدة بصوت أعلى للرئيس سعد الحريري من جهة ولحزب الله من جهة ثانية، وذلك بهدف جذب الشارع المتوتر، والتيارات التي جرت تعبئتها مذهبياً خلال السنوات الماضية»، تحت شعار أن «الأهداف محقّة لكن إدارة الحريري وفريقه فاشلة».
رئاسياً، باءت كل محاولات حلحلة هذا الملف بالفشل، ولم تغيّر عودة الرئيس الحريري شيئاً في المشهد، باستثناء أنه سيحضر شخصياً جلسة الانتخاب اليوم. ورداً على سؤال بعد لقائه رئيس الحكومة تمّام سلام حول ما إذا كان رئيس «تيار المردة» سيشارك في جلسة انتخاب الرئيس، أجاب الحريري «قد لا يُشارك وهذا شأنه. وأقول له أفضل أن تكون موجوداً لأننا سننزل الى البرلمان من أجله». وقد ردّ فرنجية، في تصريح له خلال عشاء أقيم على شرفه في منزل النائب السابق فريد هيكل الخازن، بأن «الحريري بالقَلب، لكن الأمور تحتاج إلى بعض الوقت»، مشيراً إلى أنه لن يشارك في جلسة انتخابات رئاسية إلا بالتنسيق مع الحلفاء. وفي هذا الإطار، علمت "الأخبار" أن المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان، سيغريد كاغ، بدأت تحثّ ممثلي القوى السياسية على ضرورة انتخاب فرنجية رئيساً للجمهورية، ما دام يحظى بتأييد أكثرية أعضاء مجلس النواب.
من جهة أخرى، استنكرت كتلة «المستقبل»، في بيان لها، بعد اجتماعها الدوري، «استمرار الحملة المغرضة من قبل حزب الله والمسؤولين فيه ضد المملكة العربية السعودية». وفي موضوع الرئاسة، رأت أن «مسؤولية استمرار التعطيل يتحمّلها كل من يغيب عن هذه الجلسة، مرشحاً كان أو ناخباً». وبالنسبة إلى أزمة النفايات، أكدت أنها ما زالت "ترى، ولا سيما بعد انتفاء إمكانية وجود أي حلول أخرى، أن الحل الأمثل الواجب اتباعه لأزمة النفايات هو الحل التشاركي، وذلك عبر العودة إلى المطامر الصحية في عدد من المناطق اللبنانية، وعلى أن يكون ذلك بالعدل والتساوي، تمهيداً لتنفيذ الحلول اللازمة على المديين المتوسط والطويل، والتي تحتاج إلى عدة سنوات لإنجازها".
في سياق آخر، أدى تحريك المياه الراكدة في ملف التعيينات العسكرية إلى سجال جديد افتعله النائب وليد جنبلاط، بعد تعيين رئيس مكتب قائد الجيش العميد كميل ضاهر مديراً للاستخبارات، خلفاً للعميد الركن إدمون فاضل الذي تنتهي فترة التمديد الأخيرة له يوم 20 آذار الجاري. ورفع المجلس العسكري اسم ضاهر لتعيينه مديراً للمخابرات الى وزير الدفاع سمير مقبل، فوافق ووقّع قرار التعيين. ووصف جنبلاط التعيين بأنه «بعيد عن قواعد الاحتراف والحد الأدنى من الانضباط والخلقية المسلكية، مروراً بمجلس عسكري ضحل ومطواع على قياس الآخرين»، مشيراً الى أنه «يدخل في سياق التدمير والتقدم المنهجي للنظام السوري وحلفائه من روس وعجم للمناطق في سوريا». وقال جنبلاط «يبدو أن رستم غزالي قد عاد الى البوريفاج». وعلمت «الأخبار» أن هذا التعيين ستتبعه تعيينات أخرى، حيث سيُصار إلى تغيير رؤساء الفروع في مخابرات الجيش في بيروت والبقاع وجبل لبنان، إضافة إلى تغيير المساعد الثاني لمدير الاستخبارات، كون شاغلي هذه المناصب أعلى رتبة من ضاهر الذي سيتسلّم مهماته في العشرين من الشهر الجاري.
من جهة أخرى، تحدّث مطّلعون على نتائج اجتماع برّي ــ الحريري، أول من أمس، فأكدوا أن الاجتماع نجح في إعادة تثبيت الحوار بنصابه الكامل، وستستكمل جلساته كالسابق، على أن تُعقد الجلسة المقبلة في 16 الجاري، وأن لا تعديل في جدول الأعمال الذي يتناول رئاسة الجمهورية، وما قد يستجدّ لدى المتحاورين. وقال المطلعون إن التركيز كان على الجانب الأمني، وخصوصاً في الشارع، واستكمال الإجراءات الأمنية التي كان قد بوشر تنفيذها في بيروت والمناطق. وأظهر برّي والحريري امتعاضهما من العراضات في الشارع، التي تحرّكت من خلال زعران لا ينتمون إلى أي جهة سياسية. وعُلم أن برّي قال للحريري في معرض إصراره على الحوار إن «البديل منه هو الشارع، وهذا ما لا يريده أي طرف».
)الأخبار)