يستعيد الشيخ أحمد الأسير ومناصروه، هذه الأيام، الذكرى السنوية الأولى لاعتصامه المفتوح عند دوار مكسر العبد على الأوتوستراد الشرقي في صيدا، للمطالبة بنزع سلاح حزب الله. وفي حين أن السلاح وأهله لم يتأثروا بتهديد الأسير ووعيده وسبابه، امتشق بدوره السلاح الذي هاجمه. منذ عام، وربما قبل ذلك، أطلق الأسير حملاته لتجنيد شبان واستقطابهم وإغرائهم بالشحن المذهبي والمال والسلاح. انضم إلى صفوفه صيداويون وفلسطينيون وسوريون من العمال والنازحين.


في الوقت نفسه، كان على نحو تدريجي يوسّع مروحة تواصله مع الجماعات الإسلامية في المناطق السنية من العرقوب إلى إقليم الخروب والناعمة، حتى طرابلس والضنية وعرسال، ويعرض عليها التواصل والتنسيق. على خط آخر، ومستفيداً من التمويل المحلي والخليجي لا سيما القطري عبر فضل شاكر، قصد مخيم عين الحلوة لشراء السلاح. وترددت معلومات عن أن السلاح وصله أيضاً عن طريق تنظيمات لبنانية من قوى 14 اذار. أما بالنسبة للتدريب العسكري، فقد قام بداية بتدريب عناصره في وادي بسري شرق صيدا وفي وادي عيون السمك في جرود الضنية. وتردد حينها أن متخصصين عسكريين بعضهم من داخل جهاز رسمي تولوا التدريب مع مقاتلين من قدامى الحرب الاهلية اللبنانية، وآخرين من «القاعدة» والسلفيين. وبعدما استحدث المربع الأمني في محيط مسجد بلال بن رباح في عبرا واشترى عدداً من الشقق في المنطقة، انحصر الجزء الأكبر من الدورات التدريبية داخل المربع. وبين هذا وذاك، كان الأسير، بحسب مصادر مواكبة، «يحظى بدعم لوجستي وأمني عال من أجهزة أمنية لبنانية، توفر عناصرها علانية الحماية لتحركاته في صيدا وعبرا، ووفّرت له إحصاء ميدانياً تفصيلياً عن المنطقة شمل عدد السكان وهوياتهم وانتماءاتهم، ومسح محيط المسجد وعدد المباني وارتفاعها وموقعها من صيدا وحارة صيدا». المصادر لفتت، أيضاً، إلى توفير كاميرات مراقبة ترصد بدقة التحركات والمباني والإحداثيات لمئات الأمتار، ثبتها على أسطح المباني حول المسجد في اتجاه صيدا وحارتها.
«لم تكن تلك العوامل والإمكانيات ما حقق للأسير أول من أمس علامة عالية في الإمتحان الميداني العسكري الأول له»، تقول المصادر التي توقفت عند «المكاسب التي حققها من الغطاء السياسي والمذهبي والإجتماعي الذي وفّره له عدد من قوى وفعاليات صيدا، لا سيما تيار المستقبل والجماعة الإسلامية وعدد كبير من المشايخ». عامل النجاح الأبرز هو «الغطاء الذي وفّرته الدولة بأكملها للأسير، ليس بعدم التعاطي بحزم مع تجاوزاته الأمنية فحسب، بل بالدفاع عنه أحياناً» بحسب المصادر.
لكن ما الذي قدّمه الأسير في الإمتحان؟
اختصر مصدر أمني مشهد الساعات الثلاث بعد ظهر الثلثاء بأنه «محاكاة أولية للتأسيس لمرحلة مقبلة أكثر شمولية ودموية». وأوضح المصدر أن الأسير «حدد ساعة صفر اختارها بنفسه لتنفيذ خطة عسكرية متكاملة معدة سلفاً»، لافتاً إلى «تنفيذ تحركات مختلفة في وقت واحد وفي مساحة جغرافية واسعة اتسعت رقعتها بالمقارنة مع استعراضات الأسير السابقة التي كانت تنحصر في بقعة واحدة في المربع الأمني أو تعمير عين الحلوة أو غيرهما...». كما كان لافتاً الإنتشار المسلح الكثيف الذي فاق الـ 300 مقاتل الذين توزّعوا، في وقت واحد، على نقاط حساسة: في محيط المسجد وقبالة الشقة التابعة لحزب الله التي استهدفت بقذيفة أدت إلى احتراقها، إلى جانب انتشار القناصة على أسطح المباني العالية المطلة على أوتوستراد عبرا الجديد الفاصل بين عبرا الجديدة وحارة صيدا حيث كان بإمكانهم شل الحركة عليه بالنار. وفي المقابل، تحرّكت مجموعات في شوارع صيدا وتجمعت على مستديرات المرجان ومكسر العبد، وعلى الكورنيش البحري في محاولة لقطع طريق الجنوب بقوة السلاح. أما في عبرا، فقد تمكن من محاصرتها لأكثر من ساعة بقطع جميع المداخل المؤدية إليها برمي مادة المازوت على الطرقات وإقفالها بمستوعبات النفايات، مانعاً وصول مسلحين من الخصوم والجيش. واستخدم في الإستعراض مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة (لا سيما قواذف البي 7 وبي 10).
هذا المشهد المتكامل «لم يكن لينجح لولا مشاركة قوى أخرى في القتال معه»، بحسب المصدر الذي توقف عند دور «الجماعة الإسلامية» التي شاركت بمقاتلين ميدانيين انتشروا في محيط مركزها في عبرا، وبمقنعين ساهموا في إقفال الطرق، وقناصة انتشروا على الأسطح. وفي هذا الإطار، اتهم المصدر الجماعة بتنفيذ عدد من التدريبات العسكرية لعناصرها في جزين وشرق صيدا والملعب البلدي في صيدا تحت غطاء مخيمات كشفية ورياضية. علماً بأنها أجرت مؤخراً تمرينات في شوارع المدينة على كيفية السيطرة عليها. وهنا تساءل المصدر عن النتيجة «التي كان يمكن الوصول عليها فيما لو استجابت المجموعات الإسلامية المتشددة داخل عين الحلوة لطلب الأسير مؤازرته بالقصف والقنص على حارة صيدا ونقاط الجيش القريبة؟».
من جهته، ساهم تيار المستقبل في الإستعراض بتجمع عدد من عناصره من صيدا القديمة قبالة مرفأ الصيادين في محاولة لقطع الطريق البحرية. هذه المشاركة المتعددة أكدت المعلومات التي تحدثت عن «وجود محرك استراتيجي واحد لمن شارك في استعراض صيدا» يقول المصدر.
لكن ماذا عن أعداء الأسير؟ لم يهتم كل من عناصر حزب الله وحركة أمل وسرايا المقاومة بإخفاء مظاهرهم المسلحة في الحارة وصولاً حتى تلة مار الياس خلال استعراض الأسير. وتبين أنهم أيضاً يملكون خطة عسكرية جاهزة للتنفيذ بانتظار الضوء الأخضر من قيادتهما السياسية. لكن الضوء الأحمر هو الذي أضاء، إذ سرعان ما اختفت التجمعات والمظاهر المسلحة من شوارع الحارة بعد اتصالات أجراها الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله برئيس بلدية الحارة سميح الزين وفاعلياتها للإلتزام بضبط النفس وعدم الرد. واعتبرت الحارة أن الرد الكافي على قذائف الأسير، دخول صغير إلى فيلا فضل شاكر في تعمير الحارة وتكسير كاميرات المراقبة فيها والقيام بجولة بالقرب من فيلا بهية الحريري في مجدليون، واستحداث حواجز على طريق الجنوب نحو صيدا نصحت السيارات بعدم التوجه إلى صيدا «خوفاً من تعرضهم لتحرش مذهبي». مع ذلك، فقد فعل الردّ فعله. إذ استنجد كل من الحريري وشاكر بقائد الجيش الذي سارع إلى إرسال دوريات لتحريرهما. وإذا كان الحزب، في رأي كثيرين، متمسكاً بضبط النفس تجاه استفزازات الأسير تجنباً للتصعيد المذهبي من جهة واعتماداً على حلفائه الصيداويين من جهة أخرى، كان لافتاً غياب عناصر التنظيم الشعبي الناصري، كذلك غياب الشيخ ماهر حمود.