«عاجل: قيادات عين الحلوة تمنح اللجوء السياسي لمن يرغب من الصيداويين، وتقف إلى جانبهم في محنتهم ونزوحهم». الخبر الذي انتشر عبر الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي بين المخيم وصيدا إثر قيام الشيخ أحمد الأسير وأنصاره بإطلاق النار، أول من أمس، كانت الدعابة والنكتة في نية من خطّه ووزعه. إلا أنه أثار حزن الكثير من الصيداويين الذين أسفوا للحال التي وصلوا إليها.


حتى وقت قصير، كانت المدينة تقع في قبضة التوتر والرعب بسبب الاشتباكات التي تندلع بين حين وآخر في المخيم الواقع عند خاصرتها الجنوبية، إما بسبب خلاف شخصي أو سياسي. لكن المخيم عاد إلى رشده منذ أكثر من أربع سنوات، وانحسرت الاشتباكات التي كانت تدفع بسكانه إلى النزوح واللجوء إلى حضن صيدا الآمن. فلماذا جنّت صيدا في الوقت الذي يحافظ المخيم على وعيه من مخاطر العودة إلى تلك الحقبة حين كان يسهم الصيداويون بالتهدئة؟
عندما كان الأسير يتجاوز الخطوط الحمراء في تحركاته الميدانية، كانت صيدا تستنجد بالقوى الإسلامية الفلسطينية لتتولى التفاوض معه من أجل خفض سقفه وتهدئة الأمور. ونسب إلى هذه القوى إنقاذ المدينة من التهلكة، ولا سيما عندما استطاعت إنهاء اعتصامه المفتوح قبل عام. مصادر مقربة من هذه القوى أكدت لـ«الأخبار» أنها «رفضت التدخل مع الأسير هذه المرة ليأسها منه ومن الجنون الذي يصرّ عليه ومن الشرخ الحاد بين الأفرقاء السياسيين في صيدا».
يئس المخيم من صيدا وسحب يده من التورط في صراعات اللبنانيين الداخلية. وفي إطار دعوة الأسير وفضل شاكر لمجموعات متشددة إلى مؤازرتهما عسكرياً، أكد مسؤول في حركة فلسطينية بارزة لـ«الأخبار» أن الفلسطينيين «استفاقوا من الأوهام التي صدقوها قبل سنوات وأدركوا أنهم استغلوا من قبل الآخرين كوقود للقتال من دون الالتفات إلى مصالحهم كشعب لاجئ». وشدد على أنهم «لن يكرروا خطيئة عام 1975 عندما شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية ثم تصالح اللبنانيون في ما بينهم في اتفاق الطائف ودفعوا هم الثمن».
اللافت أن صيدا التي عرفت سابقاً الاقتتال الداخلي ليست هي نفسها التي تتقاتل اليوم. خلال الحرب الأهلية ومعارك شرقي صيدا، كان الصيت لصيدا القديمة. الأزقة والزواريب التي تؤوي فقراء المدينة والعاطلين من العمل صدّرت وقوداً للقوى المتقاتلة على اختلافها. اليوم، لا يزال الفقر والبطالة يجبران الكثير من شبانها على الاستقواء بطرف ما. بعد انتماء بعضهم إلى التنظيم الشعبي والناصري والقوى الفلسطينية واليسارية سابقاً، سار آخرون أخيراً خلف تيار المستقبل والأسير. لكن هذا الموزاييك المتراصّ جنباً إلى جنب في بقعة جغرافية صغيرة، منع انزلاق الجزء الأسيري منه إلى معركة أول من أمس. ولما حاول بعضهم المساهمة في صنع المشهد، خرجوا من صيدا القديمة في اتجاه الكورنيش البحري المجاور قبالة ميناء الصيادين وقطعوا طريق الجنوب.
فأي صيدا التي تقاتل اليوم؟ إنها عبرا الجديدة ذات الأبنية العالية والشقق الغالية الثمن التي صنعها الصيداويون الميسورون المنحدرون من عائلات صيدا القديمة التي لم يعد فقرها وضيقها يليق بهم، فقصدوا ضواحي المدينة حيث صنعوا هوة اجتماعية واقتصادية بين سكان صيدا القديمة وعبرا الجديدة. ورغم أن صيدا الجديدة تستخدم في قتالها فقراء صيدا القديمة، فإنها اضطرت للعودة إلى مسقط رأسها في البلد للهرب من جنونها.