ورشة كبيرة سجلت أمس في المبنى الأبيض المقابل للمربع الأمني في محيط مسجد بلال بن رباح في عبرا. في طبقته العليا، وقف سكان يندبون حظهم العاثر الذي جعلهم أصحاب شقق غالية الثمن، تحوّلت في لحظات الى خربة محروقة بفعل رصاص قناصة وقذائف لم يعلموا مصدرها أو سبب سقوطها عليهم عصر أول من أمس. في الطبقة الأرضية، تقوم سيدة بسرعة بجمع محتويات محل الألبسة الذي تملكه والذي تعرّضت واجهاته الزجاجية لتشظ. تُفرغ السيدة الرفوف وهي تشتم بغضب الدولة التي سمحت مسبقاً بحصول ما حصل.


أكدت على مسمع من قوة الجيش المرابضة قبالة محلها بأنها ستقفل أبوابه وتستأجر بديلاً عنه في منطقة أكثر أمناً، واستطردت بأنها لن تؤجّر المحل خوفاً من استخدامه من قبل مسلحي الأسير لتخزين الأسلحة فيه. تبدي السيدة الكثير من الأسف على الحال التي وصلت إليها عبرا التي كانت قبل سنوات توصف بأنها شارع الحمرا في المنطقة. أسف السيدة تلاقيه دموع جارها صاحب شقة في مبنى مجاور أصيبت بشظايا. لا يكترث الرجل لمن يعوض على أضراره المادية، بل لتمكنه في أقرب فرصة من تسفير أولاده إلى الخارج «لأنني لا يريد لهم أن يعيشوا أجواء الحرب الأهلية التي ولدوا بعدها بسنوات». في محيط المبنى، انشغل بعض جنود الجيش باستحداث خيمة خشبية فوق الملالة تقيهم حر الشمس. في المقابل، نشطت ورش لتنظيف الشوارع من الشظايا والزجاج وإصلاح الأعطال في أسلاك شبكتي الكهرباء والهاتف.
جيران شقة حزب الله التي أحرقتها قذيفة من مقاتلي الأسير، غادروا منازلهم عند بدء إطلاق النار ولم يعودوا حتى مساء أمس. من صمد منهم يترقب الجولة الثانية من الحرب التي وقعت أول من أمس من دون سابق إنذار. هؤلاء اضطروا للبقاء في منازلهم «إما لعدم وجود مكان بديل يؤويهم أو لأن من يترك داره يتعرض للذل».
سكان عبرا استعادوا بالقوة ذكريات الحرب الأهلية، علما بأنها لم تستعر في المنطقة حينذاك. تلفت سيدة الى أن أصوات القذائف التي سمعتها أول من أمس، لم تسمعها في معارك شرقي صيدا. الجولة الأولى من الحرب زادت في عدد من ينوي بيع أو استئجار منزله أو شقته في «عبرا التي لم تعد لأهلها». فيما تساءل البعض إن كانت عبرا الجديدة ستتحول نسخة منقحة عن «عبرا الضيعة» التي فرغت من معظم عائلاتها بسبب التهجير خلال معارك شرقي صيدا؟.
وإذا كانت عبرا قد دفعت ثمن استعراض الأسير من أعصابها وأرزاقها، إلا أن المواطن محمد حشيشو دفع الثمن من دمه. فقد تحول الرجل الثلاثيني والأب لأربعة أطفال وسائق الشاحنة المتواضع، في لحظات، إلى صورة علّقت على الجدار. بعد ظهر أول من أمس، قرر حشيشو مع زوجته وابنه، العودة إلى منزله الواقع في تلة مار الياس لناحية عين الدلب بعد تناول الغداء في منزل ذويه في صيدا. وما إن ترجل من السيارة باتجاه المنزل الذي اشتراه قبل أقل من شهرين، حتى سقطت عليه رصاصة طائشة اخترقت قلبه وخرجت من ظهره وأردته فوراً.
أمس، لم يملك آل حشيشو إلا أن يستسلموا لمرارة أن الحروب تحصد الأبرياء. بصدمة وذهول شيعوا ابنهم «الشهيد المظلوم» من مسجد الشهداء في صيدا نحو مقبرة سيروب. لا يمكن لهذه العائلة بالذات أن تصدق محاولة بعض الأطراف استغلال دماء ابنها لمصلحة طرف دون آخر. إمام مسجد الشهداء الشيخ مدرار الحبال خلال تأديته الصلاة على جثمانه ظهر أمس أشار إلى أن «الشهيد يمثل النموذج الصيداوي الحق لأنه من أبوين شيعيين وزوجته شيعية، لكنه كان لا ينقطع عن الصلاة في هذا المسجد السني ويرفض التحريض المذهبي الذي قتله». علماً بأن دعوات انتشرت في صيدا لمنع دفن حشيشو في مقبرة سيروب السنية على غرار أقربائه لأبيه. إلا أن اتصالات أجريت بين الفرقاء لتطويقها.