لم يكن ممكناً فهم عملية التحريض المكثّفة، خلال الأسبوعين الماضيين، إلا بما يحصل منذ نحو أسبوع في مدينة صيدا. وليس من دون سابق إنذار، صارت هناك قوة جاهزة لفرض أمر واقع على الأرض. يعني أن من وقف خلف التحرك الدموي للشيخ أحمد الأسير، إنما تصرّف انطلاقاً من كون الجيش غير قادر على القيام بأي دور جدي. وأن مواجهات متنقلة تتيح نقل المعركة خلال دقائق قليلة الى جزء من مواجهة شاملة يراد لها أن تكون قائمة تحت عنوان الحرب السنية ــــ الشيعية.


سبب تفكير مجموعة الأسير ــــ أو من معها أو خلفها ــــ انطلق من كون أداء السلطتين السياسية والعسكرية في مواجهة عمليات العنف المتنقل، شمالاً وبقاعاً وجنوباً، لا يعكس جدّية أو إرادة في تولي القرار العملاني بقمع الفتنة. فكيف وفريق 14 آذار في لبنان، وعواصم عربية وغربية، تفترض أن وظيفة الجيش اللبناني هي مقاتلة حزب الله وليس مواجهة الآخرين. هؤلاء يعتقدون بأن تخويف الجيش وتحذيره من التحول الى خصم للطائفة السنية سيكبّله ويمنعه من القيام بأي دور استثنائي، وهو الأمر الذي تُرجم مزيداً من الفلتان في طرابلس والبقاعين الأوسط والشمالي، وارتفاعاً في منسوب التحدي في صيدا. وفي المناسبة، تظهر معطيات ومؤشرات وتطورات على الأرض أن الجولة الأخيرة من تحدي الجيش في صيدا لم تكن مقتصرة على فريق واحد، وأن مشاركة أنصار للجماعة الإسلامية وتيار المستقبل لم تكن أعمالاً فردية، وستكشف الأيام أن أحمد الحريري، نجل بهية الحريري، يتحمّل مسؤولية كبيرة، لا في عملية التحريض فقط، بل في ما هو أكثر من ذلك.
منذ انطلاق هذه المحاولات، كانت قيادة الجيش أمام مسؤولية رئيسية. وجرى انتقادها، في هذه الزاوية وغيرها، وفي مجالس مغلقة. وكان الأمر ينطلق من حساب بسيط يقول إن مبدأ «التراضي» أو «التوازن بين القوى»، إنما يستهدف فعلياً تحويل الجيش الى شرطة تراقب ما يحصل فقط. وإنه في كل مرة يقترب الجيش من لحظة منع قتل الناس، سيكون عرضة للقتل أو البهدلة. لذلك لم يكن ممكناً أمام قيادة الجيش إلا تولي المبادرة. ومع الأسف ما كان الأمر ليكون لولا المجزرة الرهيبة التي ارتكبها أنصار الأسير بحق نحو ستين عسكرياً في صيدا أمس، وهي مجزرة لم تكن لتكون بهذا الحجم لولا أمران:
الأول، الاستعداد العملاني من جانب المجموعات المسلحة، ومعرفتها بحركة الجيش وطريقة انتشاره وما تفترضه من وضع نفسي، وربما وضع إداري أيضاً.
الثاني، الاقتناع بأنه لا وجود لغطاء فعلي للجيش من جانب القوى الفاعلة، وأن ما يصدر من بيانات ومواقف لا يعدو كونه للتعمية. وأكبر دليل هو بيان بهية الحريري المتضامن مع الجيش والداعي الى نبذ السلاح غير الشرعي، والذي سرعان ما أتبع بتصريحات لنجلها أحمد الحريري يحوّل الأنظار نحو المقاومة، ويرفق تحريضه بتقديم الدعم لأنصاره من المسلحين الذين يحاولون التخصص في قطع الطرقات وإرباك الجيش وإلهاء القوات العسكرية بعيداً عن دائرة المعركة المباشرة.
على أن ما حصل يفوق كل تصور. فإضافة الى الغباء الاستثنائي على صعيد التفكير السياسي واتخاذ قرار خطير بطرد الجيش بحجة أنه يخضع لقيادة حزب الله، كان الأخطر استسهال العمل الإجرامي من خلال تصفية عدد غير قليل من الضباط والعسكريين، بما يعيد الى مقدمة المعارك في مخيم نهر البارد. وهي خطوة تنمّ عن تفكير وحشي ينذر بمخاطر تتجاوز ما حصل، وهو ما يستدعي أصلاً التعامل مع هذه الظاهرة بطريقة مختلفة تماماً من الآن فصاعداً.
هذا المستوى من التوتر فرض سلوكاً مختلفاً للجيش. صار من الصعب، ليس فقط على العسكريين والضباط الميدانيين التراجع عن ضرورة الحسم مهما كان موجعاً، بل صار من غير الممكن على قيادة الجيش، وحتى على القيادة السياسية ورئيس الجمهورية على وجه الخصوص، أي محاولة لتدوير الزوايا، إلا إذا كان الهدف تحقيق رغبة خارجية بالإجهاز على شخصية الجيش المعنوية والمادية ودفع البلاد الى موجة من العنف الأهلي الواسع.
سياسياً، وإلى جانب الدعم الحقيقي الذي يحظى به الجيش من غالبية المواطنين الذين عاشوا خلال الأيام الماضية ولا يزالون مناخات مجنونة، فإن اصطفافاً سياسياً يتشكّل الى جانب الجيش، وهو الامتحان الأكبر لفريق 14 آذار الذي أنهك الناس وهو يتحدث عن الدولة والعبور الى الدولة والسلطة الشرعية والسلاح الواحد وما إلى ذلك. وكل المؤشرات تقول إنه يصعب على فريق 14 آذار اتخاذ موقف جدي الى جانب الجيش. وهؤلاء كانوا يعدّون، ولا يزالون، زيارة لعرسال في البقاع الشمالي بحجة التضامن مع أهلها، ولكن لدعم فلول المسلحين السوريين هناك، وتحريض أبناء هذه البلدة على الدخول في مواجهة مع محيطها. وهذا ما يرمي بالسؤال حول حقيقة فريق 14 آذار إلى الجمهور الملتصق بها أو بقواها.
وهذا الانقسام السياسي لا يمكن أن يبقى في حدود المواقف والخطابات. وإذا ما شعرت قوى بارزة بأن الجيش يتعرض للاستفراد والاستنزاف، بمشاركة قوى موجودة في السلطة وخارجها، فثمة من يبحث عن آليات دعم تحفظ هذه القوة التي لا أمل لجميع اللبنانيين بغيرها. وهذا ما يجب أن يعرفه الجميع، وخصوصاً تيار «المستقبل» الذي يقترب من لحظة الانتحار.