يدور نقاش في ألمانيا حول كيفية تعامل وسائل الإعلام مع أزمة اللاجئين السوريين، والأخطاء التي ارتكبت والمبالغات التي جرت في تغطية هذه الأزمة، بعد انكشاف الأخطار "الأمنية والاجتماعية" التي تسبب بها هذا اللجوء الذي تم التعامل معه بداية على أنه قضية إنسانية. لا يمكن تجاهل مثل هذا النقاش الذي يتوسع أوروبياً، بين الحديث عن إنسانية هذه القضية وخطرها الأمني على المجتمعات الأوروبية، في الكلام عن أزمة النازحين السوريين في لبنان، وكيف تحولت في ظل الصراع الذي اندلع بين قوى 8 و14 آذار منذ بداية الحرب السورية، إلى واحدة من أدوات المواجهة بين تيارين سياسيين مع وسائلهما الإعلامية. أما اليوم، وبعدما أصبحت هذه قضية خطرة وحساسة على جميع المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، بات لبنان اليوم أمام محك جديد إزاء مواجهة هذه الأزمة على قدر خطورتها.
قبل خمس سنوات، كان أحد السياسيين يحذر من خطورة ما يمكن أن يرتد على لبنان من نزوح سوري، مع تأكيده ضرورة استخدام مصطلح نازح وليس لاجئ، وضرورة اتخاذ الحيطة الأمنية من هذا التدفق الذي كان لا يزال في بداياته. لكن هذا الكلام لم يلق الصدى المطلوب لأن من تلقوه ظلوا يعتقدون بأن ما يجري في سوريا انتفاضة محدودة لن تتطور الى حرب. في المقابل، جوبهت المطالبات بضرورة حصر النازحين السوريين في مخيمات حدودية باتهامات بالعنصرية، لا تزال مستمرة الى اليوم، عندما تتخذ أي تدابير من جانب الأجهزة الأمنية المختصة أو من جانب القوى السياسية التي تريد وضع أطر لمنع تدفق النازحين وتمددهم العشوائي في لبنان من دون ضوابط أمنية.

تفاقم المشكل السعودي مع حزب الله سيضاعف خطر بعض المجموعات السورية

اليوم، مع تعدد المؤتمرات والاجتماعات الدولية حول قضية النازحين، وآخرها اجتماع وزراء الدفاع في الاتحاد الأوروبي التي يشارك فيها لبنان عبر وزير الدفاع سمير مقبل في نهاية آذار الجاري، تطرح مجدداً قضية النازحين من الباب الأمني، بعدما استنفد لبنان الرسمي مقاربة هذه القضية سياسياً ودولياً عبر وزارة الخارجية. وخطورة هذه القضية اليوم، تبرز مجدداً في ظل التصعيد السياسي بعد الأزمة السعودية الأخيرة، كما تبرز الخطورة في تحولها إلى قضية روتينية ومن يوميات الحياة السياسية، ولا يتم التعامل معها على أساس أنها قضية مركزية وجوهرية.
أمنياً، توضع مناطق تجمعات النازحين تحت المعاينة الأمنية في شكل دقيق. وبحسب معطيات أمنية يجري تحديثها دورياً، فان هذه التجمعات ولا سيما في مناطق حساسة، كبعض مناطق الجنوب والضاحية والبقاع الأوسط والشمال وفي جبل لبنان، تداهم من جانب الأجهزة الاستخبارية في شكل دوري ومفاجئ وتوضع لوائح اسمية بالقاطنين فيها. والأمر نفسه ينطبق أيضاً على النازحين الذين يعملون في أماكن معروفة من أبنية ومجمعات وغيرها. وتدل التوقيفات والمداهمات الأمنية التي تتم يومياً على ارتفاع عدد الموقوفين السوريين في صورة مخيفة، وكل كشف أمني وتعداد للموقوفين يظهر خطورة ما يحصل في تجمعات ومناطق معينة، سواء عبر تجنيد أو استخدام عناصر سورية في إطار التحضير لأعمال إرهابية أو أمنية معينة.
وتثير بعض التجمعات في مناطق محددة شمالاً وبقاعاً (مخيم النازحين في عرسال واحد منها) هواجس، إن لم يكن قلقاً فعلياً، من أن تتحول إلى امتداد لأي إشكالات أمنية يمكن التعويل عليها والإفادة منها في توتير الساحة الداخلية إذا ما كان ثمة قرار بتفجير الوضع الداخلي. وخطورة هذه القضية في أوقات حساسة ودقيقة كالتي نمر بها حالياً، أنها في ظل انفلاش النازحين على كل الأراضي اللبنانية، يمكن أن يتم استخدام بعضهم في احتكاك مطلوب، ولا سيما أنه سيوضع تحت عنوان شد الكباش الإقليمي المستجد والعنوان التقليدي، أي معارضة وجود حزب الله في سوريا. فالتطور السعودي الأخير وتفاقم المشكلة مع وضع دول الخليج الحزب على لائحة الإرهاب سيضاعف خطر بعض المجموعات السورية في لبنان، وتضاف الى تلك التي تعاني منها أصلا الساحة اللبنانية.
وإذا كان الوسط السياسي الداخلي يتجاهل في شكل واضح هذه المعطيات، بسبب الانقسامات المعروفة حول الموقف من النازحين، ولا يتوقف عند خطورتها، فإن المجتمع الدولي الذي بات يعنى بأزمة اللاجئين الأمنية، يبدي اهتمامه بها. وثمة معطيات أمنية يمكن أن توضع أمام هذا المجتمع، وتحديداً الأوروبي المعني مباشرة بقضية اللاجئين، حول الوضع الأمني الذي يشكل عبئاً على لبنان، ولا سيما أن هذا الوضع بات يمثل عنصر قلق متزايد بفعل معلومات موثقة، بعدما تضاعف عدد النازحين، وأيضاً عدد المتورطين منهم في شبكات تفككها تباعاً الأجهزة الأمنية وتعلن عنها يومياً، حتى تكاد السجون اللبنانية تضيق بهم. وإذا كانت أجهزة الاستخبارات المعنية تزود لبنان في صورة دائمة بمعلومات أمنية حساسة تساهم في ملاحقة المتورطين في أعمال إرهابية، فإن لبنان مطالب أيضاً بأن يكون ملف النازحين لديه متكاملاً أمنياً، وموثقاً وموسعاً بكل ما تحقق حتى الآن من توقيفات ومداهمات ونوعية العمليات الإرهابية التي قام بها سوريون، ولا سيما أن ما بات يملكه من قاعدة معلومات أمنية يفترض أن يشكل واحداً من أهم الملفات الأمنية ويوضع أمام المجتمع الدولي لتبيان خطر استمرار النزوح السوري بحيثياته الحالية في لبنان، وتشكيله خطراً دائماً على بنيته الاجتماعية والأمنية، بدل الاكتفاء ببيانات روتينية وشعارات سياسية.