تتوضح لدى الناخب الأميركي الرؤية، يوماً بعد آخر، بالتوازي مع بدء تكوّن ملامح السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض. قد يُختصر المشهد بفكرة واحدة أكثر أرجحية من غيرها وهي: هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديموقراطي تتواجه مع دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري. حقيقة صار على الحزب الجمهوري تذوّق طعم مرارتها، بعد انتخابات "الثلاثاء الكبير"، التي حقق فيها ترامب نتائج مهمة. واقع دفع بمؤسسة الحزب وكبار المانحين والاستراتيجيين إلى المسارعة لإنشاء "جبهة موحدة" يتمترسون خلفها، هدفها القيام بما كانوا بتجنّبون فعله منذ بداية الموسم الرئاسي، وهو مواجهة الملياردير صاحب اللسان اللاذع والآراء المثيرة للجدل.

خلال اليومين الماضيين، حفلت وسائل الإعلام الأميركية بتقارير تتحدث عن إنفاق ملايين الدولارات لمواجهة ترامب، وقبلها بأيام واكبت العملية الانتخابية تحذيرات من "خطر ترامب". أيضاً خلال هذه الفترة حملت بعض الصحف أنباءً عن تخبّط داخل الحزب الجمهوري، كان محرّكه إصرار البعض على منع صعود ترامب، في وجه تكاسل المسؤولين في الحزب عن القيام بهذه المهمة. إلا أن أصلح ما يمكن إطلاقه على نتائج "الثلاثاء الكبير" أنها أحدثت "علاجاً بالصدمة" قد يكون متأخراً أمام "منع إيغال ترامب في الاستيلاء على الحزب"، وفق وصف أطلقه مسؤولون آخرون في الحزب الجمهوري.

بعد "الثلاثاء الكبير" خرج عدد من الاستراتيجيين بخلاصة مفادها أن أياً من المحاولات لن تفلح

"فات الأوان"، عبارة خلص إليها المخطط الإعلامي الاستراتيجي في الحزب الجمهوري أليكس كاستيلانوس. عُرف كاستيلانوس بأنه من أبرز المناهضين لترامب، وفي أحد التقارير التي نُشرت في صحيفة "نيويورك تايمز"، قبل انتخابات "الثلاثاء الكبير"، ذُكر أنه قام خلال الخريف الماضي، مع مخطط استراتيجي آخر هو جيل غيتشو، بالتواصل مع اثني عشر من المانحين الأساسيين للحزب، وقدما إليهم خطة تتضمن إنشاء لجنة عمل سياسي كبرى هدفها محاربة ترامب. وفي مذكرة سرية، كتب كاستيلانوس وغيتشو نبذة عن مهمة هذه اللجنة بعنوان "احمونا" (protect us). "يجب أن يتخيّل الناخبون دونالد ترامب جالساً على كرسي الرئاسة في مكتب البيت الأبيض، منوطاً به القيام بمسؤوليات عدة، وكيف سيتعامل مع المواجهات العالمية"، قال المخططان الاستراتيجيان. وفي هذه المذكرة كتبا، أيضاً، أن ترشيح ترامب لن يتسبب فقط في أن يخسر الجمهوريون الرئاسة، "ولكن سنخسر مجلس الشيوخ وانتخابات حكام الولايات والجمهوريين المعتدلين في مجلس النواب".
هذه الرسالة وغيرها من النداءات لم تدفع أياً من المانحين الكبار إلى الانخراط في المشروع المقدّم، وبالتالي جرى التخلي عنه. ولكن كل هذه المحاولات ترافقت مع تحركات أخرى داخل الحزب الجمهوري. وبحسب ماغي هابرمان وجوناثان مارتين اللذين نشرا تقريراً عن الموضوع في "نيويورك تايمز"، فقد حذر الجمهوري كارل روف من سيناريو قاتم سيواجهه الحزب في حال فوز ترامب. وخلال غداء لحكام الولايات والمانحين الجمهوريين، في واشنطن في 19 من شباط، رأى روف أن ترشيح ترامب المحتمل سيكون كارثياً. ولكن روف، الذي كان العقل الاستراتيجي والمستشار الأول لجورج بوش، أصرّ يومها على أنه أصبح الوقت متأخراً لإيقاف ترامب. صباح اليوم التالي، وخلال اجتماع لحكام الولايات الجمهوريين، دعا حاكم ماين بول لوباج إلى القيام بعمل ما. "انفجر غاضباً" وقال إن ترشيح ترامب سيكون له أثر عميق على الحزب الجمهوري. وطالب الحكام الموجودين بكتابة رسالة مفتوحة إلى الشعب، تتنصل من ترامب وطريقته في السياسة.
لم يتم قبول الاقتراح، ومنذ ذلك الحين، ازداد دونالد ترامب قوة. فاز بعدها في تسع ولايات، وحاز دعم حاكم ولاية نيوجرسي كريس كريستي إلى جانب دعم السناتور عن ولاية ألاباما جيف سيشنز.
الآن بعد نتائج "الثلاثاء الكبير"، تدور خلف الكواليس محاولة يائسة من أجل "الحفاظ على الحزب"، وفق المندفعين لإفشال اندفاعة ترامب، الذين يتحدثون عن جلبة وحركة وهرج ومرج، قوامها ملايين الدولارات. وبناءً على ما أفادت به صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، قام كبار المانحين الجمهوريين والاستراتيجيين ومديرو الشركات الكبرى، أثناء سلسلة من المكالمات الجماعية والاجتماعات، بوضع خطط تتضمن إنفاق ملايين الدولارات لشنّ هجوم على مرشح الحزب "الأوفر حظاً"، في ولايات عدة ستجري فيها الانتخابات التمهيدية في 15 آذار. نقطة البداية في هذا المجال هي ولاية فلوريدا التي ينحدر منها السناتور الجمهوري ماركو روبيو، المرشح المفضل لدى مؤسسة الحزب. هناك سيتدخل الجميع من أجل هزيمة ترامب الذي يتصدر استطلاعات الرأي في الولاية.
تركزت الخطط على بدء هجوم إعلاني على ترامب، بهدف تشويه صورته، وذلك باستهداف حياته العملية وشخصيته. أما قيادة هذا الهجوم، فتقع على عاتق "لجنة العمل السياسي" (PAC) ــ وهي منظمة جمهورية محافظة تعمل على تمويل الحملات الانتخابية وتدعم حالياً ماركو روبيو ــ التي ستنفق مبلغ 1.75 دولار من أجل بثّ إعلانات ودعايات في الولاية. يأتي ذلك فيما من المرجح أن تقوم منظمات أخرى، تعمل أيضاً على هزيمة ترامب، بنشر إعلانات في فلوريدا للهدف ذاته. وفي خلاصة هذا التحرك، من المرجّح أن يتم إنفاق أكثر من 7 ملايين دولار في فلوريد وحدها.
وبعد "الثلاثاء الكبير" أيضاً، قامت منظمة "باك"، وغيرها من المجموعات المستقلة، بإنفاق 16 مليون دولار على الإعلانات والرسائل البريدية التي تهاجم ترامب بشكل واضح، وأيضاً 9.4 ملايين دولار على الإعلانات التي تشير إلى الملياردير. ويشكل هذا المبلغ 11 في المئة من 238 مليون دولار صُرفت من المجموعات الداعمة على السباق الرئاسي، بحسب ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" عن سجلات لجنة الانتخابات الاتحادية.
كذلك، في محاولة "لتوعية الناخبين الجمهوريين"، قامت إحدى هذه المنظمات المعادية لترامب، وهي our principles PAC، ببث إعلان عبر الشبكة العنكبوتية بعنوان "غير قابل للانتخاب" (Unelectable). يتضمن هذا الإعلان مقاطع لتصريحات صحافيين وفنانين ومقدمي برامج يتناولون تصريحات عدة لترامب على أنه عنصري، إضافة إلى تصريح القومي الأميركي ديفيد ديوك (القائد السابق لحركة كو كلوكس كلان التي تؤمن بالتفوّق الأبيض، والمعادية للصهيونية) يعلن فيه دعمه لترامب، فيما رفض هذا الأخير إدانة ديوك، الأمر الذي أثار جدلاً واستنكاراً في الوسط الإعلامي والسياسي الأميركي.
"واشنطن بوست" أشارت إلى أن معارضي ترامب، الذين يصبون إلى منعه من الحصول على 1237 مندوباً يؤهلونه للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري، وجدوا قائداً جديداً محتملاً للمساعدة في هذه المهمة، وهو ميت رومني، المرشح عن الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2012، والذي بدأ منذ يوم أمس بتوجيه لائحة اتهامات ضد دونالد ترامب. وأيضاً في موازاة ذلك، قامت مجموعة من أكثر من 50 محافظاً خبيراً في الشؤون الخارجية، من بينهم وزير الأمن الداخلي السابق مايكل شيرتوف ونائب وزير الخارجية السابق، روبرت زوليك، بإصدار رسالة مفتوحة يصفون فيها ترامب بأنه "غير مؤهّل لمكتب الرئاسة".
ولكن هل سيتمكن هؤلاء من إيقاف ترامب؟
بعد "الثلاثاء الكبير" خرج عدد من المخططين الاستراتيجيين بخلاصة مفادها أن أياً من المحاولات لن تفلح، إلا إذا قام المرشحون الجمهوريون ماركو روبيو وتيد كروز وجون كاسيش بتكثيف حملاتهم. ولكن غيرهم توصل إلى نتيجة واحدة هي أن من المستحيل إبطاء اندفاعة ترامب، ومن هؤلاء أليكس كاستيلانوس نفسه، الذي قال أول من أمس "حان الوقت من أجل الالتفاف حول ترامب"، مؤكداً أن "الأوان قد فات".