لا يُحسد الرئيس سعد الحريري على الظروف التي تضعها أمام تيار المستقبل الخطواتُ التصعيدية السعودية الأخيرة تجاه حزب الله واللبنانيين. فالرئيس العائد من منفاه الطوعي إلى لبنان قبل ثلاثة أسابيع، يواجه جملة أزمات تنظيمية داخل تياره واستحقاقات سياسية، بدءاً بملفّ رئاسة الجمهورية وصولاً إلى الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في أيار المقبل، فضلاً عن الأزمة المالية التي يواجهها التيار، في ظلّ شحّ الدعم السعودي وتراكم الديون والمستحقات في مؤسسات المستقبل الإعلامية والاجتماعية.
ولا ينقص الحريري أن تتصاعد حدّة المواجهة داخل البلاد مع حزب الله، في الوقت الذي لا يملك فيه أدوات المواجهة. غير أن مصادر في فريقي 8 و14 آذار معاً، تؤكّد أن الحريري يبتعد عن التصعيد ليس فقط بسبب عدم قدرته على خوض مواجهة شاملة مع حزب الله عملاً بالرغبة السعودية، بل أيضاً بسبب «اقتناع شخصي وسياسي بضرروة عدم نقل التوتر من المحيط إلى لبنان والحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستمرار في الحوار تحت أي ظرف». وبحسب المصادر، فإن القرارات السعودية التي تتالت منذ بدء التصعيد ضد حزب الله والإعلان عن وقف الهبات إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، وصولاً إلى إعلان مجلس التعاون الخليجي وضع حزب الله على لائحة الإرهاب أول من أمس، بالتوازي مع الحديث عن نيّة سعودية ـــ تركية للتصعيد الأمني في الداخل اللبناني، تضع الحريري أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ فالخيار الأول، وهو إهمال الضغط السعودي والاكتفاء بمواقف مؤيّدة من دون نقل التوتّر إلى الشارع، يحرم الحريري الحصول على الدعم المالي السعودي المطلوب لخوض الانتخابات البلدية ودفع المستحقات المالية الضرورية لشدّ عصب تيار المستقبل كحالة سياسية، فيما يضع الخيار الثاني، وهو السير بالضغوط السعودية والتصعيد بوجه حزب الله، البلاد أمام احتمالات مواجهة حقيقية، يكون الخاسر الأكبر فيها الحريري وتيار المستقبل، مقابل نموّ قوى تكفيرية و«أمراء» مناطق داخل المستقبل نفسه، في ظلّ التجاذب المذهبي الكبير في المنطقة ولبنان، ومحاولات تفرّد شخصيات مستقبلية بخطاب مغاير لخطاب الحريري، لا سيّما الوزير أشرف ريفي.

اتفاق بين حزب الله والمستقبل على رفع الغطاء عن المخلّين بالأمن

الاشتباك المسلّح الذي وقع قبل أسبوعين في منطقة السعديات بين آل الأسعد المقرّبين من المستقبل ومفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو من جهة وسرايا المقاومة من جهة أخرى، وتزامن مع بدء التصعيد السعودي، فُهم في بعض الأوساط السياسية وكأنه رسالة أمنية إلى حزب الله تستهدف الإضاءة على خطّ الساحل الجنوبي، عبر حصول الاشتباك في نقطة استراتيجية كالسعديات. إلّا أن «رد فعل الحريري تجاه الاشتباك ومحاولات الوصول إلى تفاهمات تضمن الأمن والاستقرار في السعديات، تؤشّر إلى التزام الحريري بعدم التصعيد الأمني، والحرص على إبقاء الخلاف على المنابر وفي السياسة، بعيداً عن الشارع»، على ما تقول مصادر معنية في قوى 8 آذار.
هي ليست المرّة الأولى التي يحصل فيها التنافر والاستفزاز بين أبناء رفعت الأسعد المعروف بـ«المختار»، وعناصر من سرايا المقاومة (بعضهم من أبناء السعديات) على مدى السنوات الماضية.
وسبق أن استعر التوتّر في المنطقة خلال عامي 2012 و2013، على خلفية قطع طريق الساحل الجنوبي والتحركات التي قادها المستقبل أحياناً، وأحياناً الشيخ أحمد الأسير (الموقوف على خلفية اعتدائه على الجيش في عبرا)، على طول الساحل الجنوبي، من وادي الزينة جنوباً وصولاً إلى خلدة، ووصلت حدّ الاعتداء على المواطنين الآمنين العابرين على طريق الجنوب «على الهوية»، تحت عناوين التحريض المذهبي والقلق من توسع سطوة حزب الله وسرايا المقاومة على الخطّ الجنوبي، والحديث عن تغييرات ديموغرافية متبادلة ومشاريع سكنية يبنيها حزب الله في المنطقة.
وتشكّل السعديات نقطة حساسة على طول الخطّ، لربطها خلدة والناعمة بوادي الزينة وصيدا ولكونها مدخلاً لإقليم الخروب وجزءاً عقارياً من بلدية الدامور، وتقطنها عائلات من مختلف المناطق، فضلاً عن ارتباط آل الأسعد بعشائر العرب التي تسكن الساحل الجنوبي.
مصادر مقرّبة من سرايا المقاومة تقول إن «سبب حصول الاشتباك هو التعديات الدائمة التي يقوم بها أبناء المختار ومعهم مجموعة من الشبان يحضرون من عرمون وخلدة. وفي المرّة الأخيرة اعترضوا طريق أحد المسؤولين وأهدروا دمه، ثمّ أطلقوا الرصاص على سيارة للسرايا». أما مصادر تيار المستقبل وعائلة الأسعد فتقول إن «السرايا هي من تقوم بالتعديات ومن بدأت بإطلاق النار، وتفرض نفسها على أهالي السعديات».
غير أن التطوّر الأهم هو اللقاء الذي عُقد قبل ثلاثة أيام بين ممثلين عن حزب الله (مسؤول جبل لبنان بلال داغر ومسؤول اللجنة الأمنية صادق غملوش) وممثلين عن تيار المستقبل (منسّق إقليم الخروب أحمد كجك والمسؤول الأمني أحمد جنون ووليد سرحال) والشيخ عمر سريج عن الجماعة الإسلامية، والمسؤولين في الحزب التقدمي الاشتراكي سليم السيد ووليد أبو عرم وممثّل عشائر خلدة الشيخ كامل ضاهر (أبو ديب)، للوصول إلى حلّ وضبط التوتّر.
أحمد الحريري تابع اجتماع التهدئة في السعديات بشكل مفصّل
وهذا اللقاء أتى استكمالاً لاجتماع عقد بين مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا والنائب محمد الحجّار والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء إبراهيم بصبوص قبل اندلاع الاشتباك الأخير.
وتوصّل المجتمعون، بحسب أكثر من مصدر شارك في اللقاء، إلى الاتفاق على أربع نقاط: رفع الغطاء عن أي شخص مخلّ بالأمن، ومطالبة الجيش اللبناني بتثبيت موقع له في السعديات، والتأكيد على احترام كافة أماكن العبادة والابتعاد عن الخطاب المذهبي والتحريض وتجنّب التجمعات داخل مصلّى السعديات ونزع كل الشعارات السياسية والعسكرية عنه، وأخيراً الاتفاق على تشكيل لجنة مصغّرة من كافة الأطراف للتدخل ومعالجة كافة الإشكالات عند حصولها.
وبحسب المصادر، فإن ممثلي المستقبل والجماعة الإسلامية وضاهر والاشتراكيين تعهّدوا بالتواصل مع آل الأسعد والوصول إلى تفاهمات معهم سعياً لعمل مصالحة في المنطقة، في مقابل تعهّد حزب الله بضبط كل الأسباب التي تؤدي إلى التوتّر. غير أن ما بدا لافتاً هو اتفاق الجميع على رفع الغطاء عن المخلّين بالأمن، وهو ما لم يكن يتعهدّ به المستقبل سابقاً، إذ إن 13 شاباً من سرايا المقاومة تمّ توقيفهم على خلفية الاشتباك الأخير، أطلق سراح ثلاثة منهم بداية الأسبوع، فيما أُطلق الباقون أمس مقابل سندات كفالة بلغت مليوني ليرة عن كل من الموقوفين، بينما تمّ توقيف بهجت رفعت الأسعد بعد يومين من الاشتباك، وبعد أقل من 24 ساعة أطلقت القوى الأمنية سراحه بضغوط سياسية.
وأكّدت مصادر أخرى أن «رفع الغطاء يشمل ما يسمّى مجموعة الـ16، وعلى رأسهم أحد المشايخ الذين يدعون إلى التكفير (الشيخ إ. إ.) وشبّان من آل زهران، وآخرون من بلدة شبعا وسوريَّين». وأكّدت مصادر المستقبل أن «الرغبة في حصول التهدئة هو قرار من رأس الهرم في تيار المستقبل، أي الشيخ سعد الحريري، وقد تابع الأمين العام للتيار أحمد الحريري الأمر بكلّ تفاصيله».